الحلقة العاشرة : حُبّ أمّي نورة – رحمها الله – التعرّف والتواصل

الله ! يوم كانت الطائرة توصل إليك أمي !

 

أذكر وأنا صغير عندما كنت أتجول مع أمي نورة – رحمها الله – في مشاويرها ، موقفًا يكاد يتكرر في كل مرة تذهب فيه أمي – رحمها الله – للسوق ، يتكرر في وصفه ، ويتغير في كنهه ، ذلك أنها – رحمها الله – بعد انتهاء الجولة والتبضع ، قبيل المغرب –  يوم كانت النساء تعود من الأسواق قبل المغرب ! – فالعصر بنوره ووضوحه، وحركة الناس والباعة هو الوقت المناسب للتسوق ، إذ لا يُتصور أن تبقى المرأة في السوق ليلاً ، أو على الأقل لا أذكر أنني رأيت أمي – رحمها الله – في السوق ليلاً ! أعود فأقول عندما تنتظر أمي – رحمها الله – أخي الأكبر (غانم) لتركب سيارته عائدة إلي البيت ، في وقت الانتظار القليل كانت – رحمها الله – تتعرف على النسوة اللاتي ينتظرن أولادهن أو أزواجهن ، فتتعرف على فلانة ، وتحادث فلانة ، وتتبادل أرقام الهواتف مع فلانة ، كل ذلك في حشمة ووقار ، وسلامة نية ، وحسن طويّة ، في انطلاق للفطرة على أرقى صورها، بلا كبر ولا تعالٍ ، فليس للتصنّع ولا للتفاخر بينهن مجال.

مشهد يتكرر ، وإن اختلفت النسوة ، وتعددت باختلافهن الأرقام ! تعود – رحمها الله – معها قصاصات الأوراق المتضمنة أرقام من تعرفت عليهن ذلك اليوم، فتطلب منا أن نضيف الاسم والرقم إلى دفتر الهواتف المخصص ، ومع أنها – رحمها الله – أميَّة لا تقرأ ولا تكتب إلا أن لديها قدرة عجيبة على حفظ الأرقام ، ومعرفة أشكالها ، والوصول إليها في دفترها الذي يشهد لها بمحبة الآخرين ، والحرص على التواصل معهم ، دفتر استمر معها – رحمها الله –  وتجدد حتى آخر يوم في حياتها.

ويا لله كم شهدت ( صيدلية الرشيد ) في سوق الحلّة من تلك الجلسات ، حيث كان دَرَجُها المكانَ المعتادَ للانتظار قبيل المغرب للعائدات من التسوق، الكراسي هي الرصيف ! وأي راحة في الرصيف ؟! لكن القلوب – آنذاك –  أصفى وأنقى وأتقى.

أما مراجعة المستشفيات فقلَّ أن تعود أمي – رحمها الله – دون أن تتعرف على واحدة أو اثنتين ممن لاقتهن ذلك اليوم ، وكم عادت أمي – رحمها الله – من ( مستشفى طلال ) مستشفى الملك عبد العزيز حاليًا سعيدة بأرقام هواتف لا بأس بها من النسوة المراجعات في المستشفى ذلك اليوم ، ولمراجعات مستشفى طلال ذكريات وأي ذكريات ! فقد كانت أمي – رحمها الله – على الأكثر تسعد بصحبة والدي – حفظه الله – في السيارة إلى المستشفى صباحًا ، ثم تعود إذا انتهت على قدميها ؛ تقديرًا منها لظروف والدي في محلاته التي يصعب تركها لإرجاع أمي – رحمها الله – إلى البيت، تعود على قدميها بصحبة من تيسّر من أولادها، وعادة ما نكون (صالح وأنا) أكثر الملازمين لها في مثل هذه المشاوير ، ربما لأننا أصغر الأولاد، وهنا لا تسأل عن حرصها – رحمها الله – علينا أثناء تجاوز الشارع العام ( طريق الملك عبد العزيز ) الواقع غرب المستشفى ، حيث كانت – رحمها الله – تخاف علينا من  السيارات المتوجهة للمطار ( القاعدة الجوية حاليًا ) والعائدة منه ، فإذا تجاوزنا الطريق الرئيس بسلام انزاح عن أمي – رحمها الله – الهم ، وصار لنا –نحن المرافقين – متنفَّسا أن نلعب ونحن بصحبتها ، فنقطّع المسافة بالجري حينًا ، والأحاديث حينًا آخر ، وهي ترقبنا بالعين الحانية، والدعوة الصادقة، تشفق علينا ولا توبّخنا ، تحنو علينا ولا تحدّ من حريتنا، ترعانا ولا تحاصرنا ، نُطلق لطفولتنا العنان بمباركتها، وقربها ، كل ذلك نستشعره الآن دون أن نعلم آنذاك ما الآلام التي ذهبت بسببها للمستشفى ؟ ولا ما الأدوية التي تحملها معها وهي عائدة من المستشفى ؟ لأنها – رحمها الله – كانت تعيش معنا ولنا وبنا ! فالمهم لديها سعادة أولادها ولو على سبيل راحتها رحمها الله.          

وفي عام 1416هـ اصطحبها – رحمها الله – أخي ( غانم ) – حفظه الله –  متشرفًا في رحلة الحج، في حين كنت ( صالح وأنا ) في موسم الحج ذلك العام ولكن مع صحبة أخرى ، إلا أننا نتزاور كثيرًا ، ومما كان يلفت انتباهنا في ضحوات الحج وعشيّات العيد وأيام التشريق حديث أمي – رحمها الله – الشائق عن جيرانها في المخيم، حيث تعرفت على ( أم الجربوع ) كما كنا نسميها بذلك الاسم طوال السنوات التي تواصلت فيها مع أمي رحمها الله بعد الحج ، إلى أن قام آل (الجربوع) بتعزية أختي ( لولو ) – حفظها الله – في رحيل أمي نورة – رحمها الله – وقد فقدوها بعد تعارف الحج ، واستمرار العلاقة سنين عددا.

       وفي عام 1421هـ سافرت أمي – رحمها الله – إلى بلاد الشام في رحلة علاج واستجمام، فسَعدتْ بجيرانها وسَعدوا بها، إذ كانوا طوال الشهرين الذينِ قضتهما أمي هناك بمثابة أهل بيت واحد، حيث كانت تأنس بها جارتها (أم غياث) كل صباح، مع القهوة والشاي، وامتد الأمر إلى باقي عائلة أم غياث ، من الزوج والأولاد، فتجاوزت المسألة كونهم مؤجرين بيتهم من عائلة سعودية إلى كونهم قد كسبوا إخوانًا لهم من السعودية ، وأختًا كبرى صارت تتواصل معهم بعد عودتها من الشام، وتزودهم بالهدايا وتتحفهم بين وقت وآخر بالعطايا ، وهذا ما جعل التواصل الهاتفي قائمًا بينهم، والتوصية بالسلام منهم وإليهم، فمن ذهب للشام منا نقل سلام أمي – رحمها الله – إلى أم غياث وأبي غياث ، وبقية الأسرة مشفوعًا ذلك السلام ببعض الهدايا الصادرة من النفس الرضية من حيث أم غانم التي صحبت ابنها غانما في رحلة الشام، ولا أزال أذكر أسبوع الزمان الذي زرت فيه أمي – رحمها – في الشام، زرتها شوقًا إليها، ولم يتيسر لي إلا أسبوع زمان أخذت

فيه إجازة اضطرارية من العمل ، وحقا فقد كنت مضطرا إلى زيارتها ! وأي اضطرار أكبر من الشوق إلى رؤية محياها والتنعم بوافر ظلالها ! زرتها أسبوعًا رغبة في إطفاء الشوق لكنها زادت الشوق تأجّجًا ، وألهبت نار الفراق ضرامًا ، فقد تعبت في الأيام التي عدت فيها من الشام مفارقًا أمي – رحمها الله – بعد ما عشت معها أسبوعا أُصبح معها وأُمسي، وأنام بجوارها، وأجالسها داخل البيت وأصحبها للعيادة، وأسامرها في المطعم والمجلس !

       عدت من زيارة أمي – رحمها الله – مودِّعًا إياها وقد تعرفت على جيرانها أبي غياث وآل أبي غياث ، عدت إلى الرياض فبقيت مع الشوق، وانفردت مع الحنين، ولم يكن يسليني عن شوقي لأمي – رحمها الله – إلا زيارتها في المنام !

 ووقتها في 16/3/1421هـ كتبت بعض الأبيات، شوقًا إليها – رحمها الله – كنت أشتاقها وهي موجودة في دنيانا !! أشتاقها لسفرها أيامًا ، فكيف بنا اليوم وقد سافرت السفر الذي لا لقاء بعده إلا يوم الحشر؟! ، ومن تلك الأبيات:

 

باتتْ ( رياضي ) بغيركمْ في ظلمةٍ
وأرى الفسيحةَ بضعةَ الأشبارِ

العيشُ صفوٌ يومَ كنتِ بيننا
والصفوُ شِيبَ اليومَ بالأكْدَارِ

البيتُ بعدكِ أوحشتْ أرجاؤهُ
ولذاكَ لمْ أهنأْ بهِ بِقَرَارِ

أماه زرتكِ جمعةً أسلو بها
لكنّها زادتْ تَوَهُّجَ ناري

بِغيابكمْ أنا ما مررتُ ببيتكمْ
أمّاه نفْسي مثلُ جُرْفٍ هَارِ
 
أخشى برؤيتهِ تجدُّدَ لَوْعتي
أمّاه حالي مثلُ حالِ صغارِ

إنْ بتُّ زرتِ في المنامِ فيا لَها
من شعلةٍ خَفتَتْ بضوءِ نهاري

ربَّاه عجِّلْ في رجوعِ حبيبةٍ
أمّي التي طَاشَتْ بها أفكاري

أمّي التي كانتْ مَصيفَ أحبّتي
ففناؤها للأهلِ والزوارِ
 
والبردُ إنْ يقدُمْ فذاكَ هناؤها
إذ نارُها في الليلِ أكرمُ نارِ

هي خيمةٌ هي دوحةُ هي روضةُ
هي ( نورةٌ ) أصفى من الأنوارِ

خالاتُنا وبناتُنا بغيابكمْ
صاروا إلى خَبَرٍ من الأخبارِ

مِنْ بعدِ أنْ كانَ الجميعُ بِقُرْبِكمْ
يُحْي المجالسَ في الحديثِ الجاري

أطفالُنا يتسابقون ببهجةٍ
حتى يفوزوا عندَكُمْ بِجِوارِ
  
أمّا الذي يحظى بنومةِ ليلةٍ
فسرورُه قدْ جَلَّ عن مِقدارِ
  
وتراه يغدو بالحُبورِ كأنَّما
حِيزتْ لهُ أملاكُه بفَخارِ
 
ويقولُ يا أطفالُ إني فُقتُكمْ
إذ بتُّ مسروراً كذي الأطيارِ

أمّي أنا مِنْ بعدِكمْ في حيرةٍ
لكنَّ ( لؤلؤة ً ) تزيلُ غُباري

في بيتِ ( لؤلؤةٍ ) تجمَّعَ شَملُنا
فوجودُها أمنٌ كضوءِ الساري

ووجودُها أمَّاه فوقَ تكلُّمي
فكلامُنا غَيْضٌ من الإكثارِ

أمّي أنا لا أستطيعُ ثناءها
أو بِرَّها بالعُشرِ من مِعْشارِ
 
فأطلْ إلهي في رضاكَ بقاءها
واكتبْ سلامتَها من الأضرارِ

أمّي وإنْ جادَ القصيدُ بذكرِكمْ
فلذكرُكمْ نورٌ لذي الأشعارِ

وللحديث بقية إن شاء الله

شارك بتعليقك

عليك أن تسجل دخولك لكي تشارك بتعليقك.