الحلقة السادسة عشرة : طعم العيد والجمعة مع أمي نورة رحمها الله

لِعيدَيْ الفطر والأضحى ، وعيد الأسبوع فرحة وابتهاج لدى الكثير ،لا شك في ذلك، ولكنَّ طعم هذه الأيام الثلاثة، ومذاقَها لدى كل مَنْ خالط أمي نورة – رحمها الله- يزيد تميّزًا؛ والسبب في ذلك ما توليه أمي نورة – رحمها الله – من العناية الفائقة، والبصمة الخاصة التي تصبغ بها كل يوم من هذا الأيام حسب ظروفه.

فـ(يـوم الجمعة) المطلّ كل أسبوع تتكرر فيه بعض الأعمال ؛ التي من أولها القيام المبكر، والقهوة والشاي والحليب، وصوت المذياع على قراءة القرآن، يصاحب ذلك أو يعقبه بقليل الروائح الزكية ضحى، فالبخور يملأ جنبات البيت، والأطياب الأخرى تتجاوز جدران الغرف إلى المكان المحيط بالبيت حيث الفناء، وإذا اقترب الظهر تحول المذياع تلقائيًا إلى صوت سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ – حفظه الله – في صوته الجهوري المميز، من وسط مدينة الرياض إلى وسط غرفة أمي رحمها الله.

 فإذا عدنا من صلاة الجمعة بتوقيت الرياض إذا بالتفلزيون على القناة السعودية الأولى التي فيها صلاة الحرم، حيث حضور المصلين إلى المسجد الحرام، وانتظار خطيب المسجد الحرام، مع قهوة الظهر المزدانة بالزعفران، والشاي بنوعيه المحلّى بالسكر والخالي منه، والتمور، والبخور، ثم ما هي إلا دقائق حتى يتوافد على ديوانية أمي – رحمها الله – مختلفو الأطياف يتقدمهم والدي حفظه الله تعالى – إذا كان اليوم يوم أمي رحمها الله – ومن الحضور خالي صالح – حفظه الله-  وأولاد أمي نورة – رحمها الله – وبعض الأحفاد، وإخواني غير الأشقاء، وغيرهم من الأقارب ينقصون أو يزيدون بين جمعة وأخرى، في الديوانية شتاءً ، وفي غرفة الجلوس الداخلية صيفًا.

مِن الضيوف مَن يسمح وقته بالسلام والقهوة والشاي، وينصرف مبتهجًا مسرورًا بجلسة ملؤها الترحيب والبشر، وكرم الضيافة. ومنهم مَن يتسع وقته لإكمال سرور أمي – رحمها الله – بالبقاء لتناول وجبة الغداء مع أمي نورة – رحمها الله – حيث بوادي الجريش الذي يعلوه البزار المميز، وحلّة القرصان المختلطة باللحم، المزيّنة بالخضار المصفوفة بعناية، وذوق وجمال، والرز ذي النكهات الأخّاذة مع استدارة الكوسا والخضرات فوق الرز، وما يتبع ذلك من إدام الباميا، وصحون السلطات، واللبن، والفواكه، في سفرة تحرص أمي – رحمها الله – أن تكون قطعة واحدة مستطيلة طويلة بحيث يكون الجميع متقابلين مجتمعين مهما كان العدد، دون الاضطرار إلى تقسيمها لئلا نبتعد عن الاجتماع ولو للحظات!

وأما بعد الغداء فمن انصرف فبحفظ الله تعالى، ومن بقي فمع حفظ الله سيجد أمي – رحمها الله – تكمل ضيافتها له بالأحاديث والشاي، ولأن العدد سيكون أقل، فالمجلس سيكون أقل رسمية، ولذلك فربما أكملنا الحديث معها – رحمها الله – وقد خفّفنا أنوار غرفة الجلوس، في حالة من الهدوء والاضطجاع على المجلس، وتوسّد المراكي في جلسة ودّية ليس فيها إلا الأحاديث التي ما أحيلاها ! حيث الأمّ ومَن بقي من أولادها. لحظات وإذا بأذان العصر ينادي، وهكذا الحال في الغالب كل جمعة من الجمعات التي فيها أمي نورة رحمها الله.

أما (عيد الفطر) ! فالعيد مع أمي نورة – رحمها الله – عيدان؛ ذلك أنها تقلب البيت رأسًا على عقِب، الاستنفار العام ليلة العيد، فمن نكهات الطبخ الشعبي التي تملأ المكان بالبهارات والتوابل، وما يتبع ذلك من إعداد كامل لوجبة العيد الرسمية التي طالما تفاخر بها والدي فجر العيد حينما نأتي بها له في جماعة الحي الذين جرت عادتهم أن يأتي كل واحد منهم بعيده ويجتمعون في قبلة المسجد الجامع من بعد صلاة العيد حتى قبيل اشتداد الشمس، ويالله كم شهد مكان الاجتماع (الساحة الغربية لجامع الذياب في حي الفيحاء) من وجبة العيد السنوية التي تعدُّها أمي – رحمها الله – بكل عناية ، في غاية الحفاوة، حتى إني لأرى وجه والدي – حفظه الله – متهللا كل عام وجماعة الحي يتنقلون بين وجبات العيد المختلفة حسب العادة في ذلك اليوم، لكنهم يطيلون المكث أمام (عيد أبي غانم) مثنين عليه مشيدين به، وما علموا أن وراء ( عيد أبي غانم) أيادي (أم غانم) رحمها الله.

أعود بكم للحديث إلى ما قبل صلاة العيد فإننا نحضر لأمي نورة – رحمها الله – بعيد صلاة الفجر مباشرة، لنجد البخور والقهوة والتمرات قد جهَّزتها أمي – رحمها الله – فنأخذ منها تمراتنا الوتر؛ تطبيقًا للسُّنة قبل خروجنا لمصلى العيد، ومِن ثمَّ تزدان سيارتي بركوب أمي – رحمها الله- بحنكتها الرائعة التي تلف بها رأسها المزدان بروائح دهن العود، تخرج تشهد صلاة العيد، مصحوبة بمن تيسّر له الذهاب من زوجات الأبناء، والأحفاد الذين يفضلون صحبتها على أية صحبة أخرى! تعجُّ السيارة بالتكبير ” الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد”

ثم ما هي إلا أن تنقضي صلاة العيد ، إلا ونعود معًا لبيت أمي – رحمها الله – حيث اجتماع الأحباب والأقارب، من الرجال والنساء الذين يرون من أهم برامجهم ذلك اليوم البدء أو المشاركة في مجلس أمي – رحمها الله – فمع كونها تُخرج عيد والدي – حفظه الله – كما ذكرت قبل قليل، فإن المتعيدين معها في البيت يحظون بمثل الوجبة الشهية التي أعدتها لرجال الحي، وجبة تشمل بفرحتها الكبار والصغار، النساء ومَن لا يرغب الخروج لعيد الحي من الرجال، والخادمات لهن النصيب الكبير من فرحة العيد.

ومِن أميز ضيوفنا في كلّ عيد فطر خالتي (منيرة) – حفظها الله – زوجة جدي لأمي ( عبد العزيز المانع ) – رحمه الله – التي اعتادت لسنوات متتابعة أن تشهد العيد مع ابنة زوجها أمي نورة – رحمها الله – ولم تنقطع تلك الزيارة الرائعة إلا بوفاة أمي نورة – رحمها الله – وكم كانت بينهما ( أمي رحمها الله وخالتي زوجة أبيها رحمه الله وحفظها ) من أحاديث رائعة كنت أستمع إليها في ذهابنا وإيانا لصلاة العيد، ولا زلت أذكر بكاء خالتي – حفظها الله – وهي تحدِّثنا بحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن كون يوم العيد هو يوم الجوائز.

أمَّا (العيدية) فتكون جاهزة مع أمي – رحمها الله – قبل العيد، وعادة ما تطلب منَّا – رحمها الله – قبل العيد أن نجهّز لها مبالغ مالية تحرص أن تكون من مؤسسة النقد مباشرة؛ لتكون الأوراق النقدية جديدة فتزداد فرحة من تعيِّده بها ، للأطفال نصيبهم من فئة الخمسة ريالات أو العشرة، ولبعض الأطفال فئة الخمسين والمئة، وأما الخادمات فلهن من الفئات الورقية التي ربما لا يأخذن مثلها ذلك اليوم من غير أمي – رحمها الله – وكم هي فرحة الطفل أي طفل عندما يسلم على أمي نورة – رحمها الله – مقبّلا رأسها فرحًا بما أعدّته له من مبلغ مالي يدخل عليه من هنا ليخرج به إلى البقالة المجاورة (بقالة روزي الباكستاني رحمه الله) الذي كان يفرح بأي اجتماع عند أمي – رحمها الله – لأن بركة هذا الاجتماع تتعدى إليه وإلى مبيعاته ذلك اليوم!

وهكذا تستمر الفرحة بالعيد مع أمي – رحمها الله – حتى ما قبل الظهر حيث التعب والإرهاق، فإن لم يبق أحد من الزوار، خلدت – رحمها الله – للقيلولة، لتستأنف الاستقبال والحفاوة والتقدير بضيوف العصر والمغرب والمساء.

ومن أروع ذكريات عيد الفطر مع أمي نورة – رحمها الله – ما كنت أتشرف به حينما أصحبها في سيارتي ومَن يتيسر له الذهاب معنا من زوجة وولد، نذهب إلى مرتفعات طريق النهضة في الربوة، أو إلى جوار أستاد الأمير فيصل بن فهد في الملز؛ للاستمتاع عن قرب بالألعاب النارية الليلية، لحرصي على أن تشهد أمي – رحمها الله – تلك الفعاليات التي تزدان بأنسها – رحمها الله –

وأمّا (عيد الأضحى) فلأمي نورة – رحمها الله – معه بصمات خاصة، فالاحتفالية تبدأ قبل العيد بيومين أو ثلاثة، منذ أن تصل الأضاحي إلى منزلها – رحمها الله – حيث تعتني بها من حيث المأكل والمشرب، والاستعداد بأدوات الذبح والسلخ؛ من السكاكين، والمسنّ، والصواطير، والتباسي المعدة لوضع اللحم.

حتى إذا كانت ليلة العيد، وبعد الإفطار من صيام يوم عرفة، تُخرج أمي – رحمها الله – العدّة الخاصة (السكاكين ونحوها) وتضعها في مكان الذبح في فناء بيتها – رحمها الله – وما أن نرجع معها  – رحمها الله – من صلاة العيد، إلا والقهوة والتمر، والشاي معدَّة في (ترامسها) الخاصة التي تمكننا من تناولها دون أن تؤخرنا عن ذبح الأضاحي مع والدي – حفظه الله – وبقية إخوتي، ومن يحضر من زوجات الأولاد، وبعض الأحفاد.

وهنا تكون أمي – رحمها الله – بمثابة قائد الفريق في المطبخ المجاور لمكان الذبح، فما أن ينتهي والدي – حفظه الله – من إحدى الذبائح، إلا وتقوم أمي – رحمها الله – بتوزيعها على الأقارب ممن لها عادة أن تصلهم بلحوم الأضاحي كل عام، وقد جرت عادة والدي – حفظه الله – أن يبتدئ بأضحية أمي نورة عن والديها (عبد العزيز ومزنة) – رحمهم الله جميعًا – وما أن يشرع في ذبح الأضحية الثانية أو الثالثة إلا وقد جهَّزت أمي نورة – رحمها الله – مع الفريق الذي معها (الحميسة)، حيث نجتمع نحن الرجال على صحون الكبدة (الحميسة)، وتجتمع النساء على مثلها، وذلك بمثابة استراحة قصيرة تُستأنف بعدها عمليات الذبح والسلخ، علينا نحن الرجال، والتقطيع، والتوزيع على أمي نورة – رحمها الله – ومن معها من النساء.

وهكذا ما أن يشتد الضحى، ويقترب الظهر إلا وقد فرغت أمي نورة – رحمها الله – من أعمال ذلك اليوم السعيد الذي ينتهي بكتابة أسماء الأقارب على أكياس اللحم أو كراتينه التي تخصّهم ؛ لنقوم بإيصالها لهم عصرًا في منازلهم، أو إعطائهم إياها إذا أوصلوا ما يخص أمي – رحمها الله – من أضاحيهم.

وأما من شارك أمي – رحمها الله – في أعمال ذلك اليوم، من الشقيقة الغالية (لولو) ومن زوجاتنا نحن أولاد أمي نورة – رحمها الله – فلا تخرج الواحدة منهن ضحى إلا وقد أخذت ما يخصها من لحوم الأضاحي، مودّعين أمي – رحمها الله – متبادلين معها الدعوات بالسعادة والقبول.

وهذا ما كان يتكرر كل عام، حتى كان آخر وداع في عيد الأضحى من عام 1429هـ حيث خرجت النسوة من عند أمي – رحمها الله – ولم يعدن إليها عام 1430هـ لأن البيت خلا منها – رحمها الله – فلا عيد ، ولا ذبح، ولاسلخ، ولا (حميسة)، ولا كتابة على اللحوم بأسماء الأقارب الذين فُجعوا بفقدها بعد آخر عيد بأقل من ثلاثة أشهر ! رحم الله من كانت عيدًا لنا في أعيادنا ، وجامعة لنا في جُمعاتنا، حضرت – رحمها الله – عيد الأضحى 1429هـ ، ودخلت المستشفى في 3/ 1 / 1430هـ ،  وصُلي عليها – رحمها الله – في 3/ 3 / 1430هـ

 

وللحديث بقية إن شاء الله…

شارك بتعليقك

عليك أن تسجل دخولك لكي تشارك بتعليقك.