الحلقة السابعة والعشرون:أمي نورة –رحمها الله– ومراجعة العيادات!

  

 استمرت مراجعات أمي نورة -رحمها الله– عيادات القلب والباطنية في مدينة الملك فهد الطبية،

وكثيرًا ما تكون هذه المراجعات أيام الأربعاء من كل أسبوع،

وربما كانت أيام السبت أحيانًا، وقد تكون كل أسبوعين، أو أكثر بقليل،

حتى ملّتْ -رحمها الله– من كثرة المراجعات، ومن أحمال الأدوية المتنوعة،

ومن الانتظار قبل الدخول على العيادة، ومن الانتظار على شباك الصيدلية،

حتى إن موعد المراجعة القضاء على ذلك اليوم من الصباح الباكر إلى ما بعد الظهر!

مع ما يسبقه ليلة البارحة من التأهب للذهاب، واستثقال رؤية المشفى وما فيه!

 

كان لي –بفضل الله– شرف صحبتها لأغلب هذه المراجعات،

ولذا فإني أحتفظ في هذه المراجعات الدورية مع أمي – رحمها الله – بذكريات وأية ذكريات!

فقد كنا نتحدث في السيارة ذهابًا وإيابًا، في كل موضوع يخطر في البال،

حتى إذا شارفنا على الوصول إلى مدينة الملك فهد الطبية،

وأردتُ الدخول من المسار الرئيس بعد جِسر الخليج إلى خط الخدمة،

تقول أمي -رحمها الله– ” قرّبنا للمستشفى، أعرف من هالخطوط الصفر !”

تعني –رحمها الله– الخطوط التي على  الرصيف الفاصل بين الطريق الرئيس وخط الخدمة!

وعندها تشرع بالدعاء بالإعانة، وأن الله يهوِّن عليها، ويعجِّل برجعتنا!

 

ومن الذكريات في تلك المراجعات أنني كنت أطلب من أمي –رحمها الله–

انتظاري مع خادمتها عند باب المشفى، لأذهب إلى داخل العيادة فآخذ لها (الكرسي المتحرك)

بعد أن أضع عندهم إثباتي، ليتثبتوا من إعادة الكرسي بعد في نهاية المراجعة.

ولما كان هذا الإجراء يباعدني قليلاً عن أمي -رحمها الله–

اهتدينا إلى شراء (كرسي متحرك) خاص بأمي -رحمها الله–

حتى لا أضطرها إلى انتظاري في وقتي استلام كرسي العيادات،

وإرجاعه، وبذلك غدا هذا الكرسي صديقًا لنا يلازمنا في مراجعاتنا،

وهو الكرسي الذي كانت أمي -رحمها الله– تباعد ظهرها عنه حتى تخفِّف عني دفعه!

وكم كنت أرفض أن تقوم الخادمة بشرف خدمة أمي -رحمها الله– في الكرسي؛

لأحظى بذلك الشرف الذي لم أتنازل به لخادمة أمي

إلا في الأماكن التي لا أتمكن من دخولها كانتظار النساء،

ونحو ذلك، ولي في هذا الكرسي مقال خاص في وداعه!

 

ومن ذكريات هذه المراجعات ما كانت أمي -رحمها الله– تُتحف به العاملين في المشفى

من الممرضين، والممرضات، والخدم، بصدقاتها المعتادة،

التي تخرجها من حقيبتها اليدوية الصغيرة،

وكأنها على موعد لإدخال السرور على هذه الفئة،

وفي إحدى الزيارات نسيت أمي -رحمها الله– الحقيبة في المنزل،

فرأت أهل هذه الهدايا والصدقات، فطلبت مني – رحمها الله – أن أعطيهم نيابة عنها،

” يا وليدي عطني خلّني أفرح هالمساكين”.

 

ومن ذكريات هذه الزيارات العالقة في ذهني انتظارنا الذي يطول أحيانًا كثيرة

عند نافذة الصيدلية الداخلية للمشفى، مما يجعلني أتحاكى وإياها،

فنورد القصة تلو القصة، والحديث عقِب الحديث؛

لأسلي أمي – رحمها الله – وأخفِّف عنها طول الانتظار

الذي يزيد من ثقله كونه بعد انتظارات متعددة في العيادة وتوابعها من تحليل وأشعة ونحوهما،

وربما عمدتُ أحيانًا إلى الحيلة بأن أخبر أمي – رحمها الله –

أن الدواء لن يُصرف الآن! فأرجعها إلى البيت لترتاح في قيلولتها،

وأعود وحدي لانتظار الصيدلية، دون أن أشق عليها رحمها الله!

 

ومن ذكريات هذه الزيارات أننا في إحدى الزيارات التي لم تنتهِ إلا بعد العصر،

خرجنا من مدينة الملك فهد الطبية عصرًا (مسيّان)

فقالت – رحمها الله – ودي أسلِّم على (عبد الله) تعني أخاها من أمها خالي (عبدالله الفضلية)

الذي كان منوَّمًا في مستشفى الملك فيصل التخصصي،

تقول لي: “مستحية من ربي، من زمان ما زرته”!

علمًا أنه ربما كان – رحمه الله – لا يعرف زوّاره !

فتوجهنا بعد عناء مراجعتها للعيادة، وقضاء الظهر كاملا في الانتظارات،

توجهنا إلى حيث خالي عبد الله ، فدخلت وسلمت، وهي على كرسيها،

وهو على سريره، ولا أعلم هل شعر بزيارتها تلك ؟ أم لا ؟

أم يا تُرى هل كان كل منهما يعلم أنها الزيارة الأخيرة بينهما في هذه الدنيا ؟

دقائق قضتها أمي عند أخيها – رحمهما الله- إنها حاجة في نفس نورة قضتها!

 

تعبّرتْ –رحمها الله- وكتمتْ عني دمعتها، وودَّعتْه ، وخرجتْ!

خرجتْ منه ولم تعُدْ.

 

ولذلك لما توفي خالي عبد الله  -رحمه الله– يوم 27 / 10 / 1428هـ

لم نخبر أمي – رحمها الله – بوفاته؛ رأفة بها !

وإن كانت شعرت بأمرٍ مّا أيام العزاء، لتغيبنا عن ملازمتها –رحمها الله– في بيتها؛

بسبب مكثنا في بيت خالي –رحمه الله- للعزاء،

إلا أننا –نحن أولاد أمي- كنا نسدد ونقارب،

وذلك أننا كنا لا نذهب للعزاء إلا بعد المغرب،

ونحرص أن يكون بعضنا حاضرًا معها،

وهكذا مضى على وفاته – رحمه الله – أشهر ولم تعلم بذلك،

لا منَّا نحن أولادها ، ولا من شقيقها (خالي صالح) حفظه الله.

 حتى إن (نوفًا) ابنة خالي عبد الله -رحمه الله–

(وكانت من أحب بنات خالي إلى أمي – رحمها الله – للطفها مع أمي،

وكثرة نكتها، وضحكها معها)

جاءت لزيارة أمي -رحمها الله– في البيت،

فسألتها أمّي عن أبيها عبد الله – رحمهما الله جميعًا –

” إيش أخبار أبيك يا نوف؟”

فقالت (نوف) مغالبة دموعها: الحمد لله يا عمتي هو الحين أحسن !

وصدقتْ، فهو عند الله – إن شاء الله – أحسن!

     

وهكذا استمرت تلك المراجعات، إلى أن جاءت مراجعة رمضان عام 1429هـ !

التي سأشير إليها في الحلقة القادمة إن شاء الله.

 

شارك بتعليقك

عليك أن تسجل دخولك لكي تشارك بتعليقك.