الحلقة الثلاثون: آخر زيارات أمي نورة -رحمها الله- العيادة الخارجية

أضيف بواسطة د. إبراهيم في قسم كتاب أمي نورة رحمها الله

منذ ليلة عيد الفطر المبارك عام 1429هـ لم تدخل أمي نورة -رحمها الله- المشفى

إلا في زيارات اعتيادية للعيادات الخارجية للمتابعة الدورية،

ولم تكن تستغرق تلك الزيارات إلا ساعات معدودة،

ما بين العيادة والمختبر والصيدلية،

حتى إذا كان يوم الأربعاء الموافق 3 / 1 / 1430هـ

حيث موعد مراجعة اعتيادية لأمي -رحمها الله- لعيادة الباطنية في مدينة الملك فهد الطبية،

كنت عند أمي –رحمها الله- في البيت صباحًا، وقد حرصتُ على أن أكون عندها مبكِّرًا

إذ أدخلت سيارتي داخل البيت؛ إكرامًا لأمي -رحمها الله-

وتوفيرًا لجهدها عن المشي إلى باب البيت الخارجي،

صبَّحتها بالخير وتناولت معها كأس حليب،

وآنستُها بالحديث متلطِّفًا لما أعلم من الهمّ الذي تحمله في مراجعة المشفى!

وكان مما قلته لها -رحمها الله- ذلك الصباح: يا أميمتي خلينا نروح مبكرين للمراجعة،

حتى نرجع إن شاء الله قبل الساعة الحادية عشرة، ونفطر في البيت مع بعض!

أقول ذلك؛ لعلمي بأنّ أية كلمة تشير إلى اجتماعنا معها يسرُّها -رحمها الله- أيَّما سرور.

 

وقد خرجنا من بيتها -رحمها الله- في تمام الساعة الثامنة صباحًا،

وفي الطريق إلى مدينة الملك فهد الطبية قالت لي -رحمها الله- :

” ترا هذي آخر مرَّة أروح للمستشفى! خلاص تعبت من المراجعات يا وليدي” !

قلت : أبشري يا أميمتي بما تحبين !

ولما وصلنا عيادة (د.نوال بخش)، رأت نتيجة آخر تحليل فأصابها قلق،

وأعادت الكشف على أمي -رحمها الله- مرة أخرى، ثمَّ صارحتني بقولها:

حالة الوالدة لا تسمح لها بمغادرة المستشفى هذا اليوم !

قلت: كيف يا دكتورة؟ قالت: حالتها الصحية تستلزم وضعها تحت المتابعة!

لا بد من تنويمها حالاً ! والآن سأحوِّلها إلى التنويم!

 

نريد تنظيم (أنزيمات الكبد) لأنها مرتفعة، وسوف تخرج يوم السبت،

 

كان هذا الحوار بين الأخصائية وبيني في حدود الساعة الحادية عشرة ضحى،

فلم يكن بدٌّ من إقناع أمي -رحمها الله- برأي الاستشارية،

وحاولت: تخفيف الخبر عليها -رحمها الله- بقولي :

يا أميمتي  يمكن نبقى عندهم إلى الليل، أو إلى صباح الغد بالكثير.

 

رحمها الله رحمة واسعة كأني أرى وجهها الآن

في تلك اللحظة التي استسلمت فيه لقرار التنويم، وهي التي كانت تؤمِّل الخروج قبل الظهر!

وعند ذلك أكملتُ إجراءات التنويم،

وعندما وصلنا جناح التنويم اتصلتُ بغاليتي المكلومة شقيقتي (لولو)، وأخبرتها،

ثم اتصلت بإخوتي(غانم وعلي وصالح) لأخبرهم الخبر،

فتحوَّل اجتماع مساء الأربعاء المعتاد لأولادها وأحبابها ذلك اليوم

من بيتها -رحمها الله- إلى مدينة الملك فهد الطبية.

 

ومنذ ذلك اليوم وأمي -رحمها الله- في التنويم،

حيث لازمتْها البنت البارّة (لولو) ليلا ونهارًا، لا تكاد تفارقها إلا وقتًا قليلا،

وإذا خرجت (لولو) أبقت خادمتها الخاصة الفلبينية (مارسيلا)

التي كانت أثيرة عند أمي نورة -رحمها الله-

وأما نحن الأبناء فكنا نأتي يوميًّا قبل وقت الزيارة المتاح ونمكث حتى نهاية الزيارة.

 

يشاركنا الزيارة بشكل شبه يومي شقيق أمي -رحمها الله- الوحيد

خالي صالح أبو عبد العزيز -حفظه الله-

كما يشاركنا كذلك أحفاد أمي -رحمها الله- وزوجات الأبناء، والأنساب، والأحباب.

 

حتى بات مألوفًا لدى المنومين في المستشفى والعاملين فيه

أن تعمر غرفة أمي -رحمها الله- يوميًا بالزوار والزائرات،

حتى إن أولئك الزوار ربما انتظروا في الممرات وغرف الجلوس لكثرتهم جزاهم الله عنا خيرًا.

 

ومما أذكره من المواقف أثناء تنويم أمي -رحمها الله- هذا أن الاستشارية (د. ريم البنيان)

قررت إجراء (الأشعة المقطعية) لأمي -رحمها الله-

ولعلمي بما سيصحب ذلك من انتقال أمي -رحمها الله- من غرفتها إلى مقر الأشعة،

والكَلَفة التي ستصحب ذلك الانتقال، ولتخوّفي من نتيجة تلك الأشعة،

لهذه الأسباب كلها أقنعت -بصعوبة- أختي الكريمة (لولو)

أن تذهب ظهر ذلك اليوم إلى منزلها، وتتركني وحدي مع أمي -رحمها الله-

وكنت أهدف من هذا الإقناع أمرين اثنين؛

أولهما: أن أُبعد الغالية(لولو) عن مباشرة رؤية أمي -رحمها الله-

أثناء دخولها (الأشعة المقطعية)، لما سيحل  بـ(لولو) ولا شك من الألم

عند رؤيتها مزيد معاناة أمي -رحمها الله-

والأمر الثاني الذي أهدف إليه: أنني أردت أن آخذ راحتي دون حرج من أحد

حتى من (لولو) عندما لا أتمالك نفسي من البكاء!

 

وقد تحقق الأمران معًا ! فقد خرجت (لولو) لبيتها، وقالت: سأعود بعد ساعتين،

وصحبتُ أمي -رحمها الله- في المستشفى، متنقلا بين ممراته، وأدواره،

خارجًا من مصعد إلى آخر، متخطيا قسمًا إلى ما يليه،

في مشهد صامت متحرك ! صامت لهيبته ، متحرك لتنقلاته،

السرير عليه أمي -رحمها الله- وقد شُدَّت من وسطها على السرير،

وجُعل الأكسجين في فمها -رحمها الله-

 والممرضان يتبعان الاستشارية (د. ريم البنيان)

التي تتقدم السرير بخطوات متجهة إلى حيث مقر الأشعة،

أنا متنقل بين أطراف السرير حيث أمي -رحمها الله-

فتارة ألامس قدميها، وتارة أضع يدي على رأسها، وتارة أذهب يمين السرير وتارة يساره،

لا أملك في تلك اللحظات السريعة إلا الدعاء المصحوب بوابل من البكاء!

. كنت لا أدري ما الذي سيستقبل أمي -رحمها الله- في هذه الأشعة غير الاعتيادية؟

وما الآلام التي ربما ستصاحبها -رحمها الله- أثناء الأشعة ، وبعدها؟

وصلنا حيث (الأشعة المقطعية)، فأُدخلت أمي نورة -رحمها الله – إليها،

ولم أخرج من غرفة الأشعة إلا في اللحظة التي لم يأذن لي الأطباء بمزيد البقاء داخل الغرفة،

وعندئذ بقيت عند الباب،  زادي: الدعاء وهجوم البكاء!

إلى أن تمت الأشعة، وبعدها عدنا إلى غرفة أمي -رحمها الله-

وإذا بـ(لولو) حفظها الله تعالى في انتظارنا قائلة:

ما تحملت البقاء أكثر خارج المشفى! فعدت لانتظاركم في غرفة أمي-رحمها الله-

وللحديث بقية إن شاء الله …



أضف تعليق