سائق الليموزين وقُبلة في الجبين !

الساعة الثانية عشرة والثلث بعد منتصف الليل، ليلة الأحد الماضي،

بعدما أُغلقتْ من المحلات أبوابُها، وغادرها زوارها وأربابُها،

ولم يبقَ في الشوارع إلا النزر اليسير جدا من السيارات العائدة إلى بيوتها،

استوقفني منظر عجيب، موقف رهيب مهيب!

 

موقف رأيت على بعد أمتار ، فاضطررت أن أترجل

نحو ذلك الشخص الواقف أمام (حاوية القمامة) أجلّكم الله،

اقتربت منه وإذا بمجموعة من القطط قد سبقتني إليه،

وأحاطت بقدميه، وقد أدخل رأسه وقرابة نصف جسده في الحاوية،

ليخرج بقايا الطعام، فينثرها لتلك القطط

التي اعتادت منه هذا الموقف كل ليلة.

 

دنوتُ منه أكثر، سلمت عليه، سألته: ماذا تفعل؟

قال لي وقد احترمني بإخفاء سيجارته عن وجهي:

آتي كل ليلة من عملي الساعة الثانية عشرة ليلا أو تزيد قليلا،

وأجد القطط عند باب غرفتي، تنتظر وصولي، فأغير ملابسي،

وآتي أخرج لها بقايا الطعام من هذه الحاوية القريبة من المطعم.

 

فاستأذنته وقبّلتُ جبينه الطاهر النقي، جبين (إسماعيل سائق الليموزين)،

جبينًا أثّرت فيه درجة الحرارة، مع سخونة الحاوية،

جبين العامل الكادح الذي تصدق بما يستطيع،

يأتي من عمل يمتد أحيانًا اثنتي عشرة ساعة خلف المقود،

متنقلا في أحياء الرياض المختلفة، في درجة حرارة تصل أحيانًا إلى الخمسين،

ثم يأتي وقد أخذ منه التعب أيما مأخذ، إلا أن له موعدًا مع حبيباته!

موعدًا لا يُخْلِفُه، موعدًا كل ليلة،

وأحيانا يكون الموعد فجرا، أو بعد الظهر ،

كلما سنحت له الفرصة أن يعود إلى غرفته!

 

عجيبٌ أمرك يا إسماعيل! تتصدق بجهدك، وتدفع من كرامتك،

وتطل في الحاويات التي يتأذى منها الناس، رغبة في إسعاد هذه الحيوانات الضعيفة،

إسعادها وإطعامها، تطعم من لا ترجو منه جزاء ولا شكورا،

منفعة لا شك غير متبادلة!

 

قلتُ له قبل توديعه : لعل الله ييسر لأولادك في بلادك من يهتم بهم؛

 

جزاء اهتمامك بالهذه الأكبد الرطبة !

و(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ؟!

 

دمعت عينه عندما ذكّرتُه بأولاده،

وتبسّم مودِّعا إياي على وعد منه أن يتصل بي على (بطاقتي التعريفية)

التي تشرفتُ بإعطائها إياه.

 

غادرت المكان حاملا في نفسي أجل آيات الاحترام لهذا الإنسان الرحيم ،

متذكرا رحمة أرحم الراحمين سبحانه،

التي من آثارها أن حنَّن رجلا غريبا فقيرا على خلق من خلق الله تعالى.

 

ودّعته وأنا أزداد يقينا أن الناس ليسوا بمظاهرهم،!

وأن الموازين تحتاج منا إلى إعادة نظر في تقييم الآخرين!

 

ودّعتُ مُطعِمَ القطط ، متسائلا أين نحن منه؟

وبعضنا يتكاسل أن يتصدق بالفضلة من طعامه،

أو يستحيي أن يطلب من المطعم الفاخر الذي يأكل فيه

أن يحفظ له باقي الطعام ليخرج به إلى إخوانه

من بني آدم لا إلى القطط.

 

ودّعته متسائلا في نفسي:

ما شعورتلك القطة التي ألصقت جسمها

بعد هذه الوجبة بسقف الليموزين،

أهو احتضان لسيارة حبيبها الذي شعر بها،

لتنام على هذا السطح الآمن؟!

أم هي رغبة منها بحماية السيارة من أي أذى ،

حراسة لها حتى يخرج صديقها فجرا ليستأنف عمل يوم جديد؟ّ!

 

ودّعتُ (إسماعيل سائق الليموزين)

وقد تشرفت أن سمح لي أن أنال منه شرف

قُبلة في ذلك الجبين!

  د / إبراهيم بن عبد الله السماعيل

6 / 111 / 1435هـ

2 تعليقان على “سائق الليموزين وقُبلة في الجبين !”

  1. ابو عبدالله أضاف بتاريخ

    كم هو رائع اخينا اسماعيل والاروع احتفأك وتقديرك له يادكتور
    كل يوم ياتي من يعطينا دروس في الانسانيه فهل نستفيد

  2. د. إبراهيم أضاف بتاريخ

    صدقتَ أخي أبا عبد الله ، وأنت رائع لتذوقك المواقف الرائعة ، شكرا لك

شارك بتعليقك

عليك أن تسجل دخولك لكي تشارك بتعليقك.