أختاه فقْدُ الأمّ جمرٌ لاهب

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(أختاهُ) فَقدُ (الأمِّ) جَمْرٌ لاهِبٌ!

 ( الزفرة الثانية )

 

       كانَ مِن شأني في سابق أمري أنني إذا حزبني همٌّ أفزع إلى ( أمّي ) – رحمها الله تعالى –

 فأبوحُ لها بما لا أبوحُ بهِ لمخلوقٍ سواها ،

فما ألبث أنْ أخرجَ منها بالتسلية ، والرأي ، والدّعاء !

       وبعدَ ما يقاربُ أربعين ليلة مِنْ موتِ ( أمّي ) – رحمها الله رحمة واسعة –

حَزَبَني همٌّ من هموم الدنيا ، وافتقدتُ ذاك المعين الصافي أحوجَ ما أكونُ إليه !

فدخلتُ ( غُرفة أمّي ) – رحمها الله تعالى – ظهيرة يوم الأربعاء ( يوم الاجتماع واللقاء ) ،

 وتقلّبتُ في ( سريرها ) ، وأجلتُ ناظري في أرجائها ،

وكانت هذه الأبيات ، فرحمَ الله مَنْ قيلت فيها ،

           رحمكِ الله فقيدتنا الغالية ، الغائبة الحاضرة                 

 (أمّي)

( نورة بنت عبد العزيز الغنيم المانع )

 

(أمّاهُ) بَعْدَكِ لمْ أزلْ في لوعةٍ


والدّمعُ مِنْ بُعْدِ الحبيبةِ ما رَقَا !

 

ما عادَ يُطْربني حديثُ مُفاكِهٍ


كلاّ ، ولا جَلَساتُ أوفى الأصدقا !

 

(أمّاهُ) هاكِ قصيدتي مِنْ (غُرْفَةٍ)


بالأمسِ كانتْ في وجودِكَ مُلْتَقى

 

(لمَساتُها) تبدو على جَنَباتِها


(بَصماتُها) تكسو المكانَ تأنُّقا !

 

في (غُرْفَةٍ) وقتَ الظهيرةِ مُفْرَدٌ


والحُزْنُ في أرجائها قدْ أطْبَقا

 

متسائلٌ أينَ التي عَمُرَتْ بِها


(سُجادةٌ) ، كانتْ تناجي الخالقا ؟

 

مُتَلَفتٌ بينَ الجوانبِ لا أرى


إلا (السكونَ) ، فما أشدَّ ! وأحرَقا !

 

متَذكِّرٌ (أمّي) الحبيبةَ عندما


كانتْ مُرَحِّبةً تجيبُ الطارقا

 

متلحِّفٌ بـ(غطائها) في (عَبْرتي)


في ذا (الغِطاءِ) أحسُّ قلباً مُشفِقا

 

و(وِسادة) فيها بقايا مِسْكِها


مِنْ بعْدِ ما كانتْ (مِهادي) الأرفَقا

 

ومُرَدِّدٌ (أمّاهُ) ، في رجْعِ الصّدى


(صَمْتٌ) يُجاوبني ، فأبقى مُطْرِقا

 

 

(مِرْآتُها) البيضاءُ تحكي طُهْرَها !


و(سريرُها) يشكو الفِراقَ الساحقا !

 

(تَسْريحةٌ) فيها (العُطورُ) بِرَوْحِها


(كُرسيُّها) باكٍ عَشِيَّةَ فارَقا !

 

(مِنْديلُها) في (لَفّةٍ) لمَّا يَزَلْ


يرجو(الوُضوءَ) لكي يمسَّ المِرْفَقا!

 

(أمشاطُها) السوداءُ تشكو فُرْقَة


حتى الجمادُ يودُّ أنْ ما فارَقا !

 

(حِنّاؤها) الخضراءُ قدْ حَنَّتْ لها


مِنْ بعدِ ما كانتْ خضاباً مُونِقا

 

(بنَدُولها) (عِلْكُ الّلبانِ) و(قَطْرَةٌ)


الكلُّ ذاقَ فِراقَها فَتَحرَّقا

 

أو(سَبْحَةٌ) كانتْ رفيقةَ دَرْبها


أوَّاهُ لو تحنو (السِّباحُ) فتنطقا

 

و(مَجامِرٌ) فيها (البخورُ) مُعَتَّقٌ


زادَتْ بها تلكَ (المَجامِرُ) رَونَقا

 

(ساعاتُها) مِنْ كلِّ صِنْفٍ كَمْ زَهَتْ


في (مِعْصَمٍ) ، واليومَ تبكي تَشَوُّقا!

 

وبقيّةٌ مِنْ نَزْرِ (مالٍ) أُفرِدَتْ


كيما توسِّعَ عيشَ قومٍ ضَيِّقا

 

ما كانَ ذاكَ المالُ رهنَ (حقائبٍ)


فَسُرورُها بالمالِ أنْ تتصدّقا !

 

 

و(الهاتِفُ) الولهانُ ماتَ بِمَوْتِها !


لولا (الرِّضا) لَغَبْطتُه إذ فارقا !

 

و(خِزانةُ الأثوابِ) ها قدْ أُفْرِغَتْ


مِنْ بَعْدِ ما كانَ الحريرُ مُعَلَّقا

 

و(مقابِضٌ) ذهبيّةٌ في بابِها


ما حالُها و(البابُ) ها قدْ أُغْلِقا ؟!

 

أو(صورةٌ للابنِ) في (تسريحةٍ)


واهاً (عليُّ) ! متى يكونُ بها اللقا ؟

 

 

 

و(ستائرٌ) خضراءُ كانتْ واقياً


بِحِجابِها ذاكَ الزُجاجَ المُشْرِقا

 

و(مُكَيِّفٌ) قدْ كانَ يُذهِبُ حَرَّها


يا ربِّ جَنِّبْها اللهيبَ المُحْرِقا

 

(برّادةٌ) بِمياهِ (زَمْزَمَ) أُفْعِمَتْ


كم أذهبتْ في صَيفِها ما أَحْرقا

 

(صابونُها) (عُلَبُ الغسيلِ) بِرَفِّها


(غسّالة) قدْ لامَستْ (كَفّ) النقا

 

و(مكينةٌ) كانتْ جليسة (أمِّنا)


معَ (إبرةٍ) إتقانُ ما قدْ مُزِّقا

 

 

يا (صالحٌ) ! والأنسُ كانَ بـ(غُرفةٍ)


أضحتْ بلا (أمّي) حديثاً مُقْلِقا

 

كمْ جلسةٍ للحُبِّ قدْ حَفَّتْ بِنا


(أمّي) بها عقدُ الإخاء توثقا

 

يا (صالحٌ) ! كمْ مُتْعَةٍ مرَّتْ بِنا


(أكوابُ شاي) في صباحٍ أشرَقا

 

يا (صالحٌ) ! كمْ مِنْ مساءٍ سامِرٍ


كنّا نبادلُها الكلامَ الشائقا

 

 

يا (صالحٌ) ! كمْ ليلةٍ كنّا معا


(أمّي) هنا ! حيثُ الحنانُ تَدَفَّقا

 

يا(غانمٌ) ! فيكَ البقيّةُ ؛ فاسمُها :

نِصفٌ مضى ، والنّصفُ فيكَ تعلَّقا

يا(غانمٌ) ! فيكَ العزاءُ ؛ فَبِرُّها


بِبَقائكمْ فينا شقيقي الأوْفَقا

 

 

(أختاهُ) فَقدُ (الأمِّ) جَمْرٌ لاهِبٌ!


القلبُ باتَ بفَقدها متحرِّقا

 

أ(أخيتي) ! أنتِ الملاذ بِبُعْدِها


أنتِ العزا ، أنتِ الوفاءُ تَرَقْرَقا

 

 

يا (غرفة) مِنْ بعدِ (أمّي) أقْفَرَتْ


أوَّاهُ ! ما أقسى الفراقَ الحارقا !

 

يا ربِّ إنْ خَلَت المنازلُ بعدَها


فلديكَ في (الغُرُفاتِ) نِعْمَ الملتقى

 

 

                                                                            محبك الباكي فقدك الداعي ربه الاجتماع بك

ابنك

د / إبراهيم بن عبد الله بن غانم السماعيل

12 / 4 / 1430هـ

شارك بتعليقك

عليك أن تسجل دخولك لكي تشارك بتعليقك.