سائق الليموزين وقُبلة في الجبين !

الساعة الثانية عشرة والثلث بعد منتصف الليل، ليلة الأحد الماضي،

بعدما أُغلقتْ من المحلات أبوابُها، وغادرها زوارها وأربابُها،

ولم يبقَ في الشوارع إلا النزر اليسير جدا من السيارات العائدة إلى بيوتها،

استوقفني منظر عجيب، موقف رهيب مهيب!

 

موقف رأيت على بعد أمتار ، فاضطررت أن أترجل

نحو ذلك الشخص الواقف أمام (حاوية القمامة) أجلّكم الله،

اقتربت منه وإذا بمجموعة من القطط قد سبقتني إليه،

وأحاطت بقدميه، وقد أدخل رأسه وقرابة نصف جسده في الحاوية،

ليخرج بقايا الطعام، فينثرها لتلك القطط

التي اعتادت منه هذا الموقف كل ليلة.

 

دنوتُ منه أكثر، سلمت عليه، سألته: ماذا تفعل؟

قال لي وقد احترمني بإخفاء سيجارته عن وجهي:

آتي كل ليلة من عملي الساعة الثانية عشرة ليلا أو تزيد قليلا،

وأجد القطط عند باب غرفتي، تنتظر وصولي، فأغير ملابسي،

وآتي أخرج لها بقايا الطعام من هذه الحاوية القريبة من المطعم.

 

فاستأذنته وقبّلتُ جبينه الطاهر النقي، جبين (إسماعيل سائق الليموزين)،

جبينًا أثّرت فيه درجة الحرارة، مع سخونة الحاوية،

جبين العامل الكادح الذي تصدق بما يستطيع،

يأتي من عمل يمتد أحيانًا اثنتي عشرة ساعة خلف المقود،

متنقلا في أحياء الرياض المختلفة، في درجة حرارة تصل أحيانًا إلى الخمسين،

ثم يأتي وقد أخذ منه التعب أيما مأخذ، إلا أن له موعدًا مع حبيباته!

موعدًا لا يُخْلِفُه، موعدًا كل ليلة،

وأحيانا يكون الموعد فجرا، أو بعد الظهر ،

كلما سنحت له الفرصة أن يعود إلى غرفته!

 

عجيبٌ أمرك يا إسماعيل! تتصدق بجهدك، وتدفع من كرامتك،

وتطل في الحاويات التي يتأذى منها الناس، رغبة في إسعاد هذه الحيوانات الضعيفة،

إسعادها وإطعامها، تطعم من لا ترجو منه جزاء ولا شكورا،

منفعة لا شك غير متبادلة!

 

قلتُ له قبل توديعه : لعل الله ييسر لأولادك في بلادك من يهتم بهم؛

 

جزاء اهتمامك بالهذه الأكبد الرطبة !

و(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ؟!

 

دمعت عينه عندما ذكّرتُه بأولاده،

وتبسّم مودِّعا إياي على وعد منه أن يتصل بي على (بطاقتي التعريفية)

التي تشرفتُ بإعطائها إياه.

 

غادرت المكان حاملا في نفسي أجل آيات الاحترام لهذا الإنسان الرحيم ،

متذكرا رحمة أرحم الراحمين سبحانه،

التي من آثارها أن حنَّن رجلا غريبا فقيرا على خلق من خلق الله تعالى.

 

ودّعته وأنا أزداد يقينا أن الناس ليسوا بمظاهرهم،!

وأن الموازين تحتاج منا إلى إعادة نظر في تقييم الآخرين!

 

ودّعتُ مُطعِمَ القطط ، متسائلا أين نحن منه؟

وبعضنا يتكاسل أن يتصدق بالفضلة من طعامه،

أو يستحيي أن يطلب من المطعم الفاخر الذي يأكل فيه

أن يحفظ له باقي الطعام ليخرج به إلى إخوانه

من بني آدم لا إلى القطط.

 

ودّعته متسائلا في نفسي:

ما شعورتلك القطة التي ألصقت جسمها

بعد هذه الوجبة بسقف الليموزين،

أهو احتضان لسيارة حبيبها الذي شعر بها،

لتنام على هذا السطح الآمن؟!

أم هي رغبة منها بحماية السيارة من أي أذى ،

حراسة لها حتى يخرج صديقها فجرا ليستأنف عمل يوم جديد؟ّ!

 

ودّعتُ (إسماعيل سائق الليموزين)

وقد تشرفت أن سمح لي أن أنال منه شرف

قُبلة في ذلك الجبين!

  د / إبراهيم بن عبد الله السماعيل

6 / 111 / 1435هـ

38 – الأماكن !

انتهت أيام العزاء التي توافد فيها المعزّون المحبون لأمي نورة –رحمها الله-

توافدوا رجالا ونساء مقدمين العزاء، مرددين الدعاء، متذاكرين  لأمي –رحمها الله-

الذكر الحسن والثناء، شكر الله للجميع ، شكر الله لهم حضورهم واتصالهم ومراسلاتهم،

دون إمكان تسمية أحد منهم هنا.

ولما انتهت تلك الأيام صار أهل المصيبة كمن استيقظ من النوم، أو عاد من السفر،

عدنا نحن أولاد أمي نورة –رحمها الله- إلى الحياة التي كانت تملأها أمي –رحمها الله –

عدنا إلى الأماكن التي كانت عامرة بأمي –رحمها الله-

عدنا إلى حيث الطيف والذكريات، عدنا إلى اليوم المصحوب بعبق الأمس!

 

صار كل شيء يذكّرنا بأمي نورة –رحمها الله – كل شيء بمعنى كل شيء!

إلا أنني أذكر هنا بعض المواقف أو (الأماكن) التي عدت إليها للمرة الأولى

بعد رحيل أمي نورة –رحمها الله-

فكانت عالقة في ذهني وكأن أمي –رحمها الله- معنا لم تفارقنا!

وكأنها بيننا لم ترحل عنا!

 

أول مكان أشير إليه هنا بإيجاز هو (غرفة أمي) -رحمها الله-

حيث دخلناها (لولو وعلي وصالح وأنا) لتوزيع ما بقي فيها من حاجات،

والتصدق بما تملك الراحلة الغالية التي جُبلت على حبّ الصدقات!

دخلناها معًا وكل واحد منا يدافع البكاء ولا يستطيع،

يحاول التماسك ولا يقوى،

كنا نفتح خزانات الملابس فنرى النور في ملابس نورة –رحمها الله-

نرى المكيفات ، والأبواب والمرايا، والهبّود (الفصفص الصغير)،

وسجادات الصلاة، وبرادة الماء، والسرير ولحافه،

نرى الهاتف الذي طالما هاتفتنا –رحمها الله- منه،

نرى ونرى… فيختلط – مع التجلّد – الدعاء بالبكاء.

وهنا أذكر أن أخي (عليا) رحمه الله خرج من الغرفة مسرعًا،

وتوارى عن الأنظار لأمر رآه ! خرج ليخفي عنا البكاء الغالب،

خرج لأنه رأى صورته الشخصية يوم كان طفلا

وقد علّقتها أمي رحمها على مرآة التسريحة

في مكان مميز بحيث تراه يوميا!

تفاجأ أبو تركي بصورته هنا! تفاجأ والله أعلم ما الذي دار في خَلَده آنذاك !

والله أعلم مدى الشوق والحنين الذين جذباه

إلى من تعلق قلبها بولدها وعلّقت صورته في مرآتها!

 

ساعة أو ساعتين أمضيناها في غرفة أمي – رحمها الله –

وكانت قد فرغت تماما، كل شيء فيها ذهب إلى طريقه صدقة أو إهداءً،

وكانت أمي –رحمها الله- في هذه اللحظة وهي في قبرها في يومها الرابع

قد أعطتنا درسًا مهمًا في الترتيب والنظافة ووضع كل شيء في مكانه،

فمع أنها قد فارقت غرفتها -رحمها الله- قبل أشهر من وفاتها

شهرين كاملين في المستشفى، وقبلهما كانت في المنزل في غرفة أخرى

لصعوبة صعودها إلى غرفتها الرئيسة ، مع ذلك كله،

إلا أننا دخلنا على مكان مرتّب غاية الترتيب،

الجناح كله لا ينقصه إلا من كانت سنين عديدة تعمره !

رحمها الله رحمة واسعة.

 

ومن الأماكن التي لا يمكن أن أنساها في أول ورود لها في حياتي

بعد أمي نورة –رحمها الله- الطائرة

حيث كنت كثيرًا ما أصحب أمي –رحمها الله- في رحلات السفر

للعمرة كثيرًا ولغيرها أحيانًا،

وشاء الله تعالى أن أسافر لحضور دورة تدريبية

بعد وفاة أمي –رحمها الله- بشهر تقريبًا

وهناك كانت الذكريات المتجددة،

فالكرسي الذي أمامي كان منبع الذكرى ومصدرها،

ولا أبالغ إذا قلت إنني طوال الرحلة كنت أتراءى أمي –رحمها الله- معي في الطائرة،

أذكرها عند الإقلاع والهبوط، عند ربط الحزام وفكّه،

عند ترداد دعاء السفر، كل صغيرة وكبيرة في الرحلة

أتذكر فيها أمي –رحمها الله- وأنا حديث عهد بمصاب!

 

ومما لا أنساه من الأماكن التي كنت أرتادها مع أمي –رحمها الله-

منزل شقيقها خالي صالح المانع –حفظه الله-

ذلك أني زرته بعد وفاة أمي –رحمها الله- مسلِّمًا عليه وعلى زوجته الكريمة،

فأجلسني خالي أبو عبد العزيز حيث كانت تجلس أمي –رحمها الله- في الصالة،

وعلى المقعد نفسه، ولم يكتفِ بذلك بل أطال في الحديث عنها وهو المصاب مثلنا بها،

صار يسرد لي الأحاديث التي كنت تدور بين الشقيقين في هذه الصالة،

والنكت والطرائف، والمودة الطبيعية،

ثم ما كان يحملها إياها من الخضروات والورقيات عند خروجها ،

وكيف كان يوصلها إلى منزلها بنفسه،

وإذا أكرمني بالزنجبيل أثناء حديثنا خنقته العَبرة

وقال كأني أمدُّه لنورة وهي معنا !

وهكذا تستمر نورة –رحمها الله- مع أحبابها حتى بعد وفاتها.

 

ومما لا أنساه من بواعث ذكرى أمي نورة –رحمها الله-

زيارة المسجد الحرام! الزيارة الأولى بعد وفاتها ،

الزيارة التي أكون فيها وحيدًا دون أمي !

فلا ترداد أدعية ، ولا عربة السعي، ولا الجلوس عند ماء زمزم معًا،

ولا الصدقات الموزعة على العاملين في الحرم،

مشاهد كثيرة كانت تتكرر معي كلما صحبت أمي –رحمه الله- للعمرة،

أين هي الآن؟ لم يبقَ من المشاهد وصاحبة المشاهد إلا طيف الذكريات!

 

ولا يمكنني أن أنسى عيادتي أحد المرضى المنوّمين

في مدينة الملك فهد الطبية بعد وفاة أمي نورة –رحمها الله- بأشهر ،

عدته فهاجني استعبار! عدته مسلّمًا

فكان كل شيء يوحي إلى بالأيام التي لازمنا فيها أمي –رحمها الله- في هذا المشفى،

بدءًا ببوابة المشفى، فمواقف السيارات، فالمصاعد، والممرات،

والأجنحة، والمصلى، وغرف الانتظار،

حتى كدت أُشغل عن عيادتي ذلك المريض

بشريط الذكريات الماثل أمام ناظريَّ بالتفاصيل الصغيرة التي كانت هنا ،

هنا يوم أن كانت أمي هنا!

رحمها الله رحمة واسعة.

 

ومن المواقف التي كان عسيرًا عليَّ جدًا كتمان دمعي فيها

زيارتي الأولى منزل زوجة والد أمي –رحمهما الله-

زيارة خالتي منيرة البليهد –حفظها الله-

الزيارة التي لم أكن أقوم بها إلا بصحبة أمي –رحمها الله-

كنت متماسكًا نوعًا مّا عند وصولي شارع بيتها،

ضعفت قليلا عندما رأيت باب المنزل، ازداد الضعف عند طرق الباب،

انهرت تمامًا عندما قبّلت رأس خالتي ويدها وهي منفجرة بالبكاء قائلة:

يالله حيّه ، الله يرحم نورة، الله يرحم أميمتك،

فهيّجتني على البكاء الذي كنت أصلا أدافعه مدافعة،

فما كان منا إلا بكينا حتى فرغنا للحديث!

نسأل الله اجتماع الجنة.

 

  وأما ما لازمني طويلا في تجدد ذكرى أمي –رحمها الله-

فهو مقعد سيارتي الأمامي الذي كان محل جلوس أمي-رحمها الله-

حتى إنني كنت بعد وفاة أمي –رحمها الله- في مشاويري المنفردة

ألتفت إلى يميني حيث المقعد الخاوي،

فأعلّل نفسي أن أمي فيه ! بل ربما -وقد حصل لي غير مرّة-

أنني أحاور أمي بتوجيه الحديث لها من نحو:

مسّاكِ الله بالخير يمّه، هلا يُمّه، الله يحييك يا أميمتي!

وليس ثمة إلا المقعد الخاوي!

 

 وأخيرًا فإن من أعز الأماكن على نفسي بعد وفاة أمي نورة –رحمها الله-

ذلك المكان الذي كثيرًا ما كان محل اجتماع أمي –رحمها الله- بأحبابها،

ذلك المكان الذي كان محل الكرم والضيافات،

(ديوانية أمي نورة) رحمها الله رحمة الأبرار،

ومن حبي ذلك المكان، كنت بعد وفاة أمي أجلس فيه وحدي أحيانًا،

ومع بعض أحبابي وضيوفي أحيانا أخرى.

أجلس في تلك الديوانية ولم يتغير فيها شيء،

ومع ذلك فقد فقدت كل شيء!

فقدت نورها وبهجتها ورونقها!

فقدت روحها، فقدت صوت أمّي المرحِّبة بأولادها وضيوفها!

يا ربِّ إنْ خَلَت المنازلُ بعدَها

فلديكَ في (الغُرُفاتِ) نِعْمَ الملتقى

 

والحمد لله رب العالمين أن يسّر كتابة الحلقات ، تمت بحمد الله .


 

أكفانكم تُطوى وثغرك باسم

              

         أكفانُكم تُطوى وثغرك باسِمٌ             

رحم الله خالي جد أولادي (خليل بن إبراهيم العضاض) رحمة واسعة

إذ واراه الثرى عصر هذا اليوم الإثنين 11 / 8 / 1435هـ

إلى جنات الخلد أبا خالد

بالأمسِ تقرأ ما أقولُ وتُعجَبُ


واليومَ فيكمْ ذا رثائي يُكتبُ


كمْ شاقكَ العلمُ المؤصَّلُ منطِقا


كم كنتَ تُعمِل عقلَكم وتُجرّبُ


إذ كانتْ الكتبُ الأصولُ جليسَكم


أبحرتمُ فيها ونِعمَ المَركبُ


في (النِّت) يا خالي حضرتَ موجِهًا


بالحُسنِ في منطوقِكم تترغّبُ


الله آتاكَ اللغاتِ بفضلِه


سخَّرتَها للدِّين يا لَلمكسبُ


ودعوتَ أقوامًا تباعدَ عهدُهم


عن دينِهم ضلُّوا فكنتَ تُقرّبُ


أسبانهم والإنجليز فرنسهم


كلّا تحاورُ  يا لذاكَ المَطلبُ


ما كنتَ تَبغي منهمُ مِنْ مُتعةٍ


لكنَّه الدِّينُ العظيمُ الأرحبُ


قد أسلموا ! أكرمْ به من مقصدٍ


خيرٌ مِن الدّنيا وحُمر تُركبُ


قد أسلموا ! أبشرْ بعُمر دائمٍ


ما متّ يا خالي فأجركَ يُكتبُ


قد أسلموا ! هذي المفاخرُ جمّة


لا منصبٌ يبقى وليس المكتبُ


لا جاهَ لا مالا إذا ما حَشْرَجتْ


إلا الذي مِن أجل ربّي يوهَبُ


وفراقُكم يا خالُ  خطبٌ موجِعٌ


الدَّمع باتَ من الجوانحِ يُسكبُ


لكنْ عزائي أنَّكم في راحةٍ


قدْ زالَ عنكمْ كلُّ همٍّ يُتعبُ


في خالدٍ ومحمدٍ مِن بعدِكم


يبقى خليلٌ حاضرًا لا يَعزُبُ


أحسنتَ تربيةَ البناتِ بحزمِكم


معَ عطفِكم  يا والدٌ مُتحبّبُ


يا أربعٌ من والدٍ أنموذجٍ


أمثالُنا فيهنَّ صارتْ تُضربُ


قدْ صِرنَ للخالِ الكريمِ حجابَه


في يوم حقٍّ من سعير يُلهبُ


أبشر أيا خالاهُ ذِكركَ ما خبا


أحفادُكمْ يا خالُ رِبحٌ أطيبُ


مَنْ كان صِهرًا للخليلِ فحقُّه


أن يذكرَ الخالَ الكريمَ ويُسهبُ


أكفانُكم تُطوى وثغرُك باسِمٌ


فيمَنْ أيا خالاهُ كنتَ تُرحِّبُ؟!

 

محبكم 

ابنك وصهرك

 

د / إبراهيم بن عبد الله السماعيل

الإثنين   ١١ / ٨ / ١٤٣٥هـ  

             9 / 6 / 2014م

             

رسائل الماستر والدكتوراه في كلية اللغة العربية، في الأقسام الثلاثة (الأدب، والبلاغة والنقد، والنحو والصرف)

 

إخوتي  وأخواتي طلاب الدراسات العليا،

 يسعدني أن أضع بين أيديكم مواضيع الرسائل العلمية

 في مرحلتي الماستر والدكتوراه،

 

المسجلة في كلية اللغة العربية –

 في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ،

 منذ عام 1399هـ – إلى عام 1434هـ

 

مع تقديم أسمى آيات الشكر والتقدير لصاحب هذا الجهد المبارك

 الزميل العزيز الشيخ د. ناصر بن محمد كريري -حفظه الله –

 وكيل كلية اللغة العربية للدراسات العليا سابقا

 

 

 رسائل الدكتوراه -قسم البلاغة

رسائل الماجستير -قسم البلاغة

البحث التكميلي للماجستير في قسم البلاغة

رسائل الدكتوراه -قسم الأدب

رسائل الماجستير -قسم الأدب

البحث التكميلي للماجستير في قسم الأدب

رسائل الدكتوراه -قسم النحو

رسائل الماجستير -قسم النحو

البحث التكميلي للماجستير في قسم النحو

 

وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح

مقرر النقد المستوى السابع 1435هـ

مرحبا بكم طلابي الكرام في مقرر النقد – المستوى السابع –

 الفصل الدراسي الثاني – 1435هـ

أرحّب بكم في محاضرات المقرر التي سوف تنزل هنا متوالية

 حسب دراستها في أسابيع هذا الفصل

مع الأخذ بالاعتبار أن هذه المحاضرات – مع أهميتها – لا تعني

 استغناء الطالب الكريم عن الارتباط بالمصادر

 التي من أبجديات التعليم الجامعي

وفقكم الله لما فيه الخير ، وإليكم المحاضرات مرتّبة ،

 مع المتطلبات النقدية حسب ترتيب التكليف بها:

المحاضرة الأولى النقد تعريفه ، الفرق بين النقد في القديم والحديث 

‫المحاضرة الثانية أقسام الذوق الأدبي ، وأثره في النقد

 المتطلب النقدي الأول وطاوي ثلاث

‫‫المحاضرة الثالثة خصائص الناقد ، وشروطه

‫‫‫المحاضرة الرابعة الذخيرة الثقافية للناقد

‫‫‫‫المحاضرة الخامسة النقد بين العلم والفن

‫‫‫‫‫المحاضرة السادسة مناهج النقد الأدبي 1- المنهج الفني

‫‫‫‫‫‫‫‫‫‫‫المحاضرة السابعة مناهج النقد الأدبي 2- المنهج التأريخي

‫‫‫‫‫‫‫المحاضرة الثامنة مناهج النقد الأدبي 3- المنهج النفسي

‫‫‫‫‫‫‫‫المحاضرة التاسعة القصة تعريفها ، ما ضيها ، وحاضرها

‫‫‫‫‫‫‫‫‫المحاضرة العاشرة القصة والأقصوصة والرواية

‫‫‫‫‫‫‫‫‫‫المحاضرة الحادية عشرة عناصر القصة وكيفية بنائها‫‫‫‫‫‫‫‫‫‫‫

المحاضرة الثانية عشرة الحبكة ، التعبير في القصة ، السرد والحوار 

تمت المحاضرات بحمد الله تعالى

أرجو لكم التوفيق والنجاح

يا خالدُ الروميُّ فقدُكَ موجِعٌ

فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور /

خالد بن إبراهيم الروميّ رحمه الله تعالى

فقدناه إذ أصابتنا مصيبة الموت!

 ضحى الجمعة 30 / 3 / 1435 هـ

أبيات، أعزّي بها والديه وأهله وولده وذويه ،

وجميع محبيه،  وصاحب هذه الأبيات من محبيه:

 

يا ساردَ الأخبارِ هل صِرتَ الخبرْ؟!


من بعدِ ما هول المنيّةِ قد ظَهرْ


يا خالدُ الروميُّ يا نجمًا أفلْ


عَجَبًا لنجمٍ كيف تؤويه الحُفَرْ؟!


أرْحَلْتَ عُمْرَكَ همَّ خيرِ رسالةٍ


تأبى على الكتمانِ أنسامُ الزّهَرْ


يا خالدُ الروميُّ يا بِشْرًا ظهرْ


تزهو بمجلسكمْ أحاديثُ السَّمرْ


في (تركيا) كان اجتماعًا رائقًا


يزهو بِكمْ إذْ كنتَ نورَ المؤتمرْ


تطهو لنا مِن قهوةٍ عربيّةٍ


تزكو روائحها غُدوًّا في السّفرْ


قسَمًا بربّي ما رأيتُكَ ضاجِرًا


أنّى يكونُ لمثلِ قلبِكَ مِنْ ضَجَرْ


بإخوّة الدّين التي جَمَعتْ عُرى


تبقى إذا انصرمتْ مواثيق البشرْ


مِن ذي القبائل نُزَّعًا نأتي غدًا


نرنو إلى نورِ المنابرِ والدُّررْ


في مجلسِ الروميّ طِيبُ حديثِنا


فيه الفوائدُ والمواعظُ والغُررْ


فيه المسائلُ في العلوم جميعِها


فيه اجتماعُ ذوي المواهبِ والفِكَرْ


سبحانَ مَنْ آتاكَ حُسنَ رويّةٍ


حِلمًا يزينُ وبُعدَ رأيٍ في النّظرْ


نحنُ الشُّهودُ لجهدِ دعوتِكَ التي


سافرتَ في تبليغها أقصى الهِجَرْ


نحنُ الشُّهودُ لجهدِ دعوتِكَ التي


بلَّغْتَها في حُسنِ ألفاظٍ غُرَرْ


أوَ هكذا تُطوى صحائفُ عمرنا؟


أوَ هكذا تمضي ليالينا الزُّهُرْ؟!


يا خالدُ الروميُّ فقدُكَ موجِعٌ


إنَّ المصيبةَ فيكَ مِنْ إحدى الكِبَرْ


عجبًا لشأنِكَ! كلُّنا في حُزنِهِ


مِن فَقْدِكمْ مِنْ بعدِ ما فجعَ الخبرْ


باتَ الجميعُ مؤدِّيًا متقبِّلا


فيكَ العزاءَ رضًا بما أمضى القَدَرْ


يا خالدُ الروميُّ ما مِتُمْ أخي


يبقى بَنُوكَ على طريقِكمُ الأغرّ  


يبقى بَنُوكَ على امتدادِكَ نورُهمْ


ما شنَّفوا المحرابَ آياتِ السُّورْ


سأظلُّ أذكرُ خالدَ الروميَّ ما


قد لاحَ في ليلِ المكارمِ مِن قَمَرْ


سأظلُّ أذكرُكمْ حبيبَ قلوبِنا


في سَجْدتي، في الحجِّ، في صفوِ السَّحرْ!

الحلقة السابعة والثلاثون: على شفير القبر!

عصر السبت 3 / 3 / 1431هـ دخلنا المقبرة،

أمي -رحمها الله- مسجاة في السيارة حولها شقيقي علي،

ومحمد المانع ابن خالي صالح وأنا،

أما والدي وخالي صالح -حفظهما الله- فهما في المقاعد الأمامية،

وشقيقي غانم -حفظه الله- يقود السيارة بهدوء وروية كعادته في السير،

وقد أضيف إلى هدوئه المعتاد اليوم رهبة الموقف،

وخصوصية المكان، وعظيم الخطب!

الناس قد تجمهروا في المقبرة إذ سبقونا ، ينتظرون وصول الجنازة!

جنازة أمي نورة -رحمها الله- منهم من صلى عليها في الجامع وسبقنا،

ومنهم من كان ينتظر الصلاة في المقبرة على الجثمان الطاهر!

 

لا زلت أذكر في لحظة دخولنا المقبرة ووصولنا قريبا من القبور شخصين

-لا أدري لماذا عَلِقا وحدهما في ذهني دون غيرهما-

كانا ينظمان السير، ويهيئان الطريق للسيارة لتقترب من القبر!

أحدهما قريبنا الفاضل (أحمد الحبيِّب)، والآخر صديقي الغالي (محمود القويحص)،

وإن كان الحضور كثيرًا ، لكن لا أدري لماذا علق في ذهني

مرأى هذين الفاضلين -فقط-

وهما يرتبان للسيارة الدخول بين جموع المشيِّعين!

 

هبَّ المشيِّعون لإنزال نعش أمي -رحمها الله- من السيارة،

وسرعان ما اصطفت الصفوف للصلاة عليها قبل دفنها -رحمها الله-

ثم توجهوا بها إلى القبر!

وهنا استأذنت والدي –حفظه الله- أن أترك ملازمته قليلا،

لأنني بحمد الله وفضله عليَّ قد اعتدت ملازمته في ذهابه ومجيئه،

فاستأذنته أن ألازم القبر، ولو ابتعدتُ عن ملازمته –حفظه الله-

في هذه اللحظات فأذِن لي، قائلا :

خذ راحتك يا وليدي ، الله يعينك!

 

 وهناك نزل في القبر شقيقاي الفاضلان(غانم وعلي) -حفظهما الله-

ومعهما رجل متطوع -لا أعرف اسمه-

ممن اعتاد تقديم النفع للآخرين في مثل هذه المواقف

جزاه الله كل خير.

 

أُنزِلت أمي نورة -رحمها الله- في قبرها على مرأى منّي !

ولم أملك -ساعتئذ- إلا محاولة ملامسة جسدها الطاهر بيديَّ

وهو يُسجَّى في اللحد!

وكأني أودِّعها بآخر لمسة قبل الحشر!

أودِّعها مردِّدا مع الجموع المشيِّعة:

“بسم الله، وعلى ملة رسول الله”

! اللهم صلِّ على رسول الله وسلِّم.

 

جلستُ على شفير القبر من جهة رأسها

مستقبلا وجه أمي -رحمها الله- جلستُ أرقبُ حالة الدفن،

شقيقاي غانم وعلي والرجل الفاضل يتناولون اللبناتِ

من الرجال المشاركين في الدّفن :

“هات لَبنةً، خذ هذه، أعطنا أكبر منها، اخلط معها الطين”،

كلمات أسمعها ولا أميِّز من الذي يقولها!

لأني مشغول في صمتي، صامت في شغلي،

ذاهل عن الجموع المكتظة حول القبر أفواجًا أفواجًا، حِلَقًا حِلَقًا،

لا أكاد أميِّزُ منهم أحدًا -شكر الله لهم جميعهم-

فقد أتاني ما يشغلني!

 

بقيتُ طوال مدة الدفنِ صامتًا لا أتكلمُ بكلمة واحدة،

ليس إلا تمتمات الدعاء، وبللُ الخدين بصامت البكاء!

لم يقطع عليَّ صمتي إلا شقيقي (صالح) -حفظه الله-

الذي كان يجلس على شفير القبر عن يميني،

قطع عليَّ صمتي عندما أسرَّ إليَّ بصوت باكٍ متقطَّعٍ لا يكادُ يُبين!

أشار إلى جسد أمي -رحمها الله- الذي غطت اللبنات نصف لحده،

وكاد أن يتوارى عن أنظارنا، وقال :

“إبراهيم! يعني خلاص هذه آخر مرة نرى أمي -رحمها الله- “!

وقعت كلمته عليّ كَوَقْعِ الصاعقة،

عند ذلك شددت بيدي على يده، ولم أجبه بكلمة واحدة،

إلا أننا صالح وأنا لم نزد على أن طأطأنا رأسينا وأجهشنا بالبكاء!

لا أحد ممن حولنا ساعتها يعلم ما الذي دار بين الابنين المكلومين.

الآن انتهى صفُّ اللبنات، ووضع الطين على الفُرجات بين تلك اللبنات!

ولم يبق إلا أن يصعد شقيقي (علي) من القبر؛

لأنه كان آخر الثلاثة صعودًا من القبر

بعد صعود الأخ الفاضل المتطوع، وصعود شقيقي (غانم)

ليتسع المكان في صف اللبنات،

عندئذ صعد (علي) من القبر

وكان هو وغانم آخر من لامست أيديهم جسد أمي -رحمها الله-

ويا لَغبطتهما بذلك!

 

خلا القبر الآن إلا من نزيلته أمي نورة -رحمها الله-

وتنادى المشيعون يُهيلون التراب :

“شاركوا في الأجر، احثوا ثلاثًا، افسحوا المجال لغيركم”،

كل ذلك كان يتم وإبراهيم ما زال في صمته ودعواته وعبَراته!

ومع تطاير الغبار من القبر كنت مع عامة من حضر مشغولًا بالدعاء:

” اللهم ثبّتها بالقول الثابت، اللهم ثبِّتها عند سؤال الملَكين،

اللهم اجعل قبر أمي روضة من رياض الجنة “,

وهكذا مضت لحظات الدفن بالأيدي،

فتعالت أصوات المساحي وهي تزيد من الدفن!

وأُهيلت بعد ذلك الحصباء، ورُشَّ القبرُ بالماء!

 

تنادى الحاضرون: اسألوا لها التثبيت، فإنها الآن تُسأل!

وقف عدد لا بأس به على القبر يدعون لأمي -رحمها الله-

ويسألون لها التثبيت، يتقدمهم والدي –حفظه الله-

وخالي صالح وزوج شقيقتي(لولو) الغالي علي المسند،

وأبناء خالي عبدالله الفضلية -رحمه الله-

والأقارب والمحبون، والأولاد والأحفاد،

ومن أعرف ومن لا أعرف!

 

عند ذلك جلست عند رأس أمي -رحمها الله-

مستقبلا القبلة رافعًا يديّ متوجِّهًا لربي،

ملحًّا بالدعاء المختلط بأحرِّ البكاء!

وحقًّا لا أدري كم بقيت على تلك الحالة!

إلا الذي أعرفه أنني أطلت إطالة عرفت مقدارها

من خلال أن المعزِّين – جزاهم الله خيرًا –

كانوا قد انتهوا من تعزية والدي -حفظه الله- ومن معه،

ولم يبق إلا ممن لم يستقبل العزاء إلا أنا

فانتظرني من انتظرني مشكورًا،

وغادر المقبرة من غادر مأجورًا معذورًا !

 

كنت في جلستي هذه عند رأس أمي – رحمها الله – للدعاء

بين دافعين يتجاذبانني!

دافع مراعاة الجموع التي أودُّ ألا أؤخرهم في الانتظار لتقديم العزاء،

ودافع رغبتي في المكث بجوار أمي -رحمها الله-

في أول ساعة في منزلها الجديد

الذي هي أحوج ما تكون فيه إلى دعوة

من ابنها الذي طالما رعته ولازمته ولم تبخل عليه

بنصحها ولا مالها ولا وقتها ولا دعائها!

وأخيرًا فقد غلّبتُ الدافع الآخر

فمكثتُ ما شاء الله أن أمكث بجوار أمي -رحمها الله-

حتى إذا قمتُ من عندها كأنني أنتزع نفسي انتزاعا،

توجهتُ مباشرة إلى حيث يقف والدي -حفظه الله-

فقبّلت رأسه ويديه وقدَّمتُ له العزاء دون أن أكثر من الألفاظ؛

لأني أعلم أن كلامي سيهيِّج المزيد من بكائي!

قال لي والدي -حفظه الله-

“وينك يا رَجّال! الناس يسألون عنك!”

ثم اصطففت بجوار والدي مستقبلا المعزِّين

الذين لم يملوا من طول الانتظار، فجزاهم الله عني خير الجزاء!

أذكر منهم في ذلك الموقف شيخي الفاضل

الذي درّسني في المرحلة المتوسطة والثانوية

الشيخ (صالح الشايع) أتم الله عليه عافيته،

فهو من الذين علقوا في ذهني، وأثّر في نفسي مكثه،

واحتسابه، وسعة صدره في انتظاري لمواساتي وعزائي!

 

خرجتُ من المقبرة بصحبة ابنيَّ (فارس وعبد المجيد) -أصلحهما الله-

في سيارة الأكبر منهما (فارس)،

وتوجهنا إلى البيت قبُيل المغرب،

ودخلتُ لأغيِّر ملابسي، ثم توجهت بعد صلاة المغرب

إلى بيت والدي -حفظه الله- حيث مجلس العزاء!

 

وللحديث بقية إن شاء الله …

الحلقة السادسة والثلاثون: من المسجد إلى المقبرة ، الطريق الذي تنميت أن يطول

خرجنا من باب الجنائز؛ الباب الغربي لجامع الراجحي

حاملينَ على أكتافنا أمي نورة -رحمها الله- حاملين على أكتافنا

أمي التي طالما حملتنا! حملتنا في بطنها، حملتنا في حجرها،

 حملتنا على كتفها، حملتنا بين يديها، حملتنا وحملت همومنا وآلامنا!

 حملت مشكلاتنا أطفالا، وشبابا، وأزواجا، وآباءً!

حملنا أمّنا وهي الحمّالة! توجهنا بها -رحمها الله- إلى سيارة شقيقي (غانم)

 الذي آثر أن تكون معه في سيارته في آخر مشوار لأمي نورة -رحمها الله-

 تركب فيه سيارة في حياتنا الفانية! ومن الموافقات العجيبة

 أن أول سيارة تركبها أمي -رحمها الله- لأحد أولادها

كانت سيارة ابنها الكبر شقيقي(غانم)! عندما ركبتْ مغتبطة

 أن ابنها الأكبر قد بلغ مبلغ الرجال وصار معه سيارة!

كان ذلك قبل نحو من ثلاثين عامًا من ركوب أمي -رحمها الله- الأخير مع (غانم)!

 ويالله كم بين الركوبين من فرق!

 والحمد لله أن أتم الله لأمي نورة أمي -رحمها الله- النعمة

 بأن يكون أولادها هم خدامها، طوال حياتها، حتى إنهم لم يضطروها إلى سائق!

 حتى في آخر مشوار لها في هذه الدنيا؛ مشوار (الجامع – المقبرة) !

مما أذكره ذلك اليوم أن أخي الفاضل الدكتور خالد العيد

 لَحِق بنا خارج المسجد ليسلِّم علينا معزِّيا،

 ولا زلت أُكبر له خروجه حافي القدمين

ووقوفه عند باب سيارة أخي (غانم) مسلِّما معزِّيا،

 ومكث حتى ركبنا السيارة، شكر الله له مواساته!

ركبنا مع أمي نورة أمي -رحمها الله- في السيارة،

 والدي -حفظه الله- في الأمام بجوار شقيقي (غانم) قائد السيارة،

 وخالي صالح(أبو عبدالعزيز) خلف والدي -حفظهما الله-

 وأما شقيقي (علي) ومحمد المانع ابن خالي صالح، وأنا

فكنا في المرتبة الخلفية ملاصقين نعش أمي نورة -رحمها الله- تماما،

 وطوال الطريق وأخي(علي) وأنا لم نكفَّ عن تقبيل جسد أمي -رحمها الله-

 تقبيل ما أمكننا تقبيله من يديها، وقدميها،

تقبيلا يشفي نفوسنا وإن كان بيننا وبينها -رحمها الله-

 الأكفان والغطاء الذي يعلو النعش!

كان المدخل إلى الحي الذي فيه منزل أمي -رحمها الله-

 يقع على الطريق بين جامع الراجحي والمقبرة،

 ولما مررنا به ذهب ذهني كل مذهب، وحلَّق بي الخيال،

 وعادت بي الذكريات سنين عددا، تذكرتُ كم مرة كانت أمي -رحمها الله-

 تشرفني في سيارتي ونحن ذاهبون أو راجعون من هذه الطريق نفسها!

 كم مرة تشرفت بأمي -رحمها الله- آخر المساء

 وهي تحكي لي في السيارة أخبار زيارتها لزوجة أبيها خالتي (منيرة البليهد)

 التي كانت تحب زيارتها، وتأنس بها!

 كم مرة عدنا من بيت (لولو) أمي -رحمها الله- وأنا نتجاذب الحديث في هذه الطريق،

 وقد شارفنا على الوصول إلى المنزل،

 كم مرة مررنا بهذه الطريق ذاتها عائدين من جلسة محبة وود

 في بيت خالي صالح -حفظه الله-

 وقد أهدى أمي -رحمها الله- بعض الخضروات والورقيات الجاهزة

 كعادته في انتقاء الجميل لشقيقته!

 عادت بي الذاكرة في هذه النقطة من الطريق إلى مساء العيد

 الذي كنت أخرج فيه مع أمي -رحمها الله- للاستمتاع بالألعاب النارية!

 عادت بي الذاكرة وقد مررنا من مدخل الحي إلى ما قبل شهرين تمامًا

 عندما ركبنا في السيارة أمي -رحمها الله- وخادمتها وأنا

متوجهين إلى مدينة الملك فهد الطبية، وهي تقول لي :

 ترا هذه يا وليدي آخر مرة أروح للمستشفى!

وهكذا كنت في مشوارنا للمقبرة بين شريط ذكريات،

 ودموع، ودعاء، ووابل من القُبُلات!

من يعرف طبيعة أخي (غانم) –حفظه الله- يعلم أنه هادئ في أموره كلها؛

 بما في ذلك قيادته للسيارة

التي لا يجاوز فيها سرعة 70 – 80 في السفر ولا داخل المدينة إلا ما ندر!

 وهذا الأمر كان يضايقني ويضايق غالب من يصحبونه في مشاويره !

 إلا أنني في طريقنا للمقبرة مع (غانم) المتأني كنت مرتاحًا جدًا لهدوئه في السير،

 الهدوء الذي من شأنه أن يطيل مدة ملاصقتنا لجسد أمي -رحمها الله- الممدَّد أمامنا !

 لأول مرة أحمدُ لأخي (غانم) هدوءه في السير!

ومن الأمور التي كنت أغالط نفسي فيها في طريقنا للمقبرة:

 أنني كنت أصوب نظري لجسد أمي -رحمها الله- كاملا من رأسها إلى أسفل قدميها،

 وأضع يدي على صدرها وباقي جسده، قائلا في نفسي -وأستغفر الله- :

 ” ما ذا لو تتنفس أمي الآن ؟!

ماذا لو كانت في غيبوبة ، وليست وفاة ؟!”

 حديث نفسٍ مكلومة! حديث نفسٍ مصابة بمصيبة الموت!

 موت مَنْ ؟! موت حياتي!

دخلنا باب المقبرة…

وهو الموضوع الذي سيكون الحديث عنه

 في الحلقة القادمة إن شاء الله …

الحلقة الخامسة والثلاثون: نقاءٌ باتَ يغسلُه نقاءُ

دخلتُ بيت أمي -رحمها الله- بعد صلاة الظهر مباشرة،

وهناك كان والدي -حفظه الله- وإخوتي( غانم، وعلي، وصالح)

 وابناي (فارس، وعبد المجيد) -حفظ الله الجميع-

 كلنا في بيت أمي -رحمها الله- في أول ظهر لا تكون فيه أمي على قيد الحياة!

 كان والدي -حفظه الله- قد طلب لنا غداءً لنجتمع،

 ولم يشأ أن يتركنا ويذهب إلى حيث غداؤه المعتاد،

 جلس والدي معنا مؤانسًا وكأنه يريد أن يشبعنا حنانا

 في أول ظهيرة بعد أمي – رحمها الله – جلسنا ولا أدري كيف جلسنا؟

 كيف مضي الوقت من الظهر إلى ما قبل العصر؟

 مضى كأنه يوم كامل أو يزيد!

 

وفي تلك اللحظات البطيئة الثقيلة نزلت إلينا زوجة شقيقي صالح(أم خالد)

 التي تسكن مع أمي -رحمها الله- في بيتها فسلمت على الجميع

 والدي ونحن، ولما نطقت ” أحسن الله عزاءكم “

 أجهشت بالبكاء ولم تكمل عبارتها! كيف تعزِّي بصاحبة الدار؟

 كيف تعزِّي بضياء المنزل؟ كيف تقول:

 لن تعود أمي نورة -رحمها الله- إلى منزلها مرة أخرى؟

كيف وهي تعزِّي في التي كانت بمثابة أمها حنانا وعطفًا ورعاية،

 كيف وهي تعزٍّي فيمن كانت تعاملها طوال عيشهما معًا بكل احترام وتقدير؟

 

منتصف الظهيرة كنا في جامع الراجحي حيث كانت أمي -رحمها الله- على سرير التغسيل!

 كانت أمي في مغسلة الأموات بين يدي شقيقتي الغالية المكلومة (لولو)

 التي باشرت تغسيل أمها! تغسيل أمها التي صحِبَتْها طوال العمر سفرًا وحضرًا،

 أمها التي صحِبَت (اللولو) طفلةً وفتاةً وشابةً وعروسًا وأمًّا،

 صحِبَتْها يوم كانت توقظها للمدرسة، ويوم صارت تعدُّ لها أسباب الراحة

 في سهرها لدراستها الجامعية،

صحِبَتْها أيام خطبتها، ويوم زفافها،

 صحِبَتْها في فرحتها بأول فرحتها بكرها(عبد الله) وبباقي ذريتها،

 صحِبَتْها صحبةَ الأخت أختَها!

 وهاهما الصاحبتان البنت وأمها في الظهيرة للمرة الأخيرة في هذه الدنيا تصتحبان!

 تصحب (لولو) أمي نورة -رحمها الله- ولكن دون حِراك!

 تصحبها (لولو) وقد خالط ماءَ الغسيل دمعُها!

 تصحبها صحبة خاصة؛ فإحداهما جسد دون روح!

 تصحبها صحبة صامتة!

 

سبحان من أنزل السكينة على (لولو) المكلومة

حتى استطاعت أن تباشر غسيل أغلى الناس لديها أمنا نورة -رحمها الله-

 وهنا أتساءل كيف استطاعت (لولو) الهشّة الضعيفة تقليب أمي -رحمها الله-

 على جنبيها للوضوء و الغسيل؟!

كيف استطاعت (لولو) إدراج أمي -رحمها الله- في الأكفان؟

 كيف تمكنت من تطييبها بالسدر والكافور؟

 كيف باشرت بنفسها وضع المسك على المسك؟!

 

حُمِلْتِ إلى المغسِّلِ يا حياتي

 

فلولا الشّرعُ ما غُسِلَ الصّفاءُ!

 

و(لؤلؤةٌ) تُغَسِّلُها بِرِفقٍ  

 

نقاءٌ باتَ يَغْسِلُهُ نقاءُ!     

 

وقد شاركت زوجتي(أم عبد الله) -بفضل الله- شقيقتي الغالية (لولو) في غسيل أمي -رحمها الله-

 شاركت في الغسيل وقد كانت أمي -رحمها الله- تعدُّ زوجتي بنتًا لها!

 فقد كانت تلجأ -بعد الله- إلى أمي -رحمها الله- في حل مشكلاتها، وتفريج همومها!

 تشاركها لأن أمي نورة -رحمها الله- أمٌ لها تتحفها بالمحبة والتقدير والمدح والثناء!

 كانت أمي -رحمها الله- أمًّا لزوجتي التي كانت مفتقرة إلى حنان الأم

 بعد موت أمها –رحمها الله- قبل سنين من معرفتها بأمي رحمها الله.

 

لما انتهت (لولو) ومن معها من إدراج أمي -رحمها الله- في الكفن

 انتقلنا مع والدي -حفظه الله- إلى المغسلة في جامع الراجحي،

ودخلنا إلى حيث الطُهر المسجّى!

 دخلنا وقد امتلأت المغسلة بمحبات أمي نورة -رحمها الله-

 من أخواتي (غير الشقيقات) وزوجات أولادها -رحمها الله-

 حتى إذا حضر والدي –حفظه الله- وكان قد ضعُف بصرُه،

اقترب من جسد أمي -رحمها الله- فتلمّس رأسها وقبَّلها بدمعٍ ودعاء!

 ولم يتكلمْ مع أحدٍ!

 ولم يزد على توديع أمي –رحمها الله- بهذا المنظر المهيب.

 

ثم حضر خالي صالح شقيق أمي -رحمها الله- الذي طالما عاش معها الحلوة والمرّة !

 دخل فتوجَّه إلى وجهها المشعّ من الكفن،

 فقبَّلها متماسكًا إلا أنه قد غلبه البكاء بصوت رفيع

مما جعله ينسحب مباشرة من المكان دون أن يلوي على أحدٍ!

 

أذكر أنني في أثناء هذه المناظر من التوديع

كنتُ أتحسس جسد أمي -رحمها الله- من خلف الأكفان،

 وأمرر يدي على كامل جسدها، ملامسًا ومقبِّلا دون أن أحدِّث أحدًا أو يحدِّثني أحد!

 وكأنني أرجو أن أحظى بجزء متحرك من جسد أمي -رحمها الله-

 ولما انتهينا جميعًا من السلام على أمي -رحمها الله-

 خرجنا من المغسلة لتباشر (لولو) تغطية وجه أمي -رحمها الله-

 حتى تتم عملية التكفين، لنذهب بالجسد الطاهر من المغسلة إلى مقرِّ الصلاة.

 

بعد ذهابنا بأمي -رحمها الله- إلى مقدمة المصلين في المكان المخصص للأموات

 اتصلت بي ابنة خالي(البندري) –حفظها الله- وسألتني قائلة:

 إبراهيم أنا في الجامع الآن؟ كيف أصل إلى المغسلة للسلام على عمتي ؟

 فاعتذرت منها بأن أمي -رحمها الله- الآن خارج المغسلة،

 وأنها في الجامع مما يصعب معه دخول (البندري) إلى حيث مكان الرجال!

 ويا للمفارقات العجيبة كانت أمي -رحمها الله-

 قد أجرت آخر اتصال هاتفي في حياتها بـ(البندري)،

 وها هي البندري تجري الاتصال ولكن دون أن تتمكن من اللقاء حتى بجسد أمي رحمها الله.

 

انتظرنا صلاة العصر لنصلي على أمي -رحمها الله-

انتظرنا وقد توافد الناس للصلاة قبل الأذان!

 وكان بعض المعزين يتوجهون قبل الصلاة إلى والدي وخالي صالح -حفظهما الله-

 ومن معهما من إخوتي في الصف الأول للعزاء،

 حتى إذا أقيمت الصلاة صلينا الفريضة صلاة لم يقف فيه ذرف الدموع،

 فلما فرغ إمام الجامع د. حمزة الطيار من صلاة العصر نادى بالمصلين:

 الصلاة على الأموات، الصلاة على ثلاثة رجال وامرأة !

 ولا أظن الإمام يعلم ما وقْعُ كلمة (امرأة) علينا تلك اللحظات

 التي بدأ العدُّ التنازلي لبقاء تلك هذه (المرأة) على ظهر الأرض!

 

كبَّرنا على أمي -رحمها الله- أربع تكبيرات،

 ويا لتلك الكلمات التي ختمنا بها صلاتنا:

” اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعف عنها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها،

 واغسلها بالماء والثلج والبرَد، اللهم نقها من الذنوب والخطايا

 كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنَس،

 اللهم قابلها بإحسانها إحسانا وبسيئاتها عفوا منك وغفرانا،

 … اللهم لا تحرمنا أجرها، ولا تفتنا بعدها …”،

 وإذا بالإمام يقول: السلام عليكم ورحمة الله،

معلنًا آخر لحظات أمي -رحمها الله- في الجامع!

 لنتسابق -نحن أولادها ومن معنا من محبيها- إلى حمل النعش،

 متوجهين به إلى سيارة أخي غانم.

 

 وهو ما سأتحدث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله…

 

الجلقة الرابعة والثلاثون: ” إبراهيم! ماما نورة خلاص ” !

الساعة الثامنة، صباح يوم السبت 3 / 3 / 1430هـ،

اليوم الأول من الدراسة في الفصل الدراسي الثاني،

كنت في الحصة الثانية في المعهد العلمي في الدرعيةألقي درسي في مادة العروض والقافية،

اتصلت (مارسيلا) خادمة أختي (لولو) الخادمة الملازمة لأمي نورة -رحمها الله-

التي تبقى مع أمي في أثناء خروج (لولو) للبيت،

اتصلت عليَّ متأثرة وأخبرتني أن حالة أمي -رحمها الله- صعبة،

وأن عليَّ الحضور، فطمعتُ أنْ أكمل شيئًا من شرح درسي، ثم أستأذن إدارة المعهد للخروج،

ولكن (مارسيلا) عاودت الاتصال بعد اتصالها الأول بدقائق وصوتها يتقطع من البكاء،

وتقول لي: إبراهيم احضر بسرعة، تعال الآن للمستشفى،

ماما نورة تعبانة تعبانة!

 

وعندئذٍ ألقيت أقلام الشرح من يدي، واستأذنت طلابي طلاب الثالثة الثانوية،

وخرجت مسرعًا من قاعة الدرس، وتوجّهت لغرفة المدير فلم أجده،

فدخلت غرفة الوكيل ووقفت على بابه دون أن أدخل لأني في عجلة من أمري،

وقلت له: أنا خارج لأمي في المشفى، دعواتكم، وخرجت مباشرة،

وتوجهت إلى مدينة الملك فهد الطبية، وكان لساني طوال الطريق يلهج بهذا الدعاء

الذي لا أعرف كيف جرى على لساني! كنت أردد:

” اللهم إني أُعيذ أمي أن يتخبطها الشيطان عند الموت”!

لا أدري كيف تجرأت أن أقول هذا الدعاء؟! كل الطريق وأنا أبكي وأردِّد هذا الدعاء،

وأظنني لم أزد عليه من الدعاء شيئًا إلا ما خالطه من الاستغفار.

 

وصلتُ المشفى، ووضعتُ سيارتي في المواقف القريبة

التي لا يكاد يُسمح فيها بالوقوف إلا بإذن من مسؤول الحركة،

فرأيت أحد منظمي السير في المشفى، وقلت له:

وضع أمي حرِجٌ لا يحتمل أن أذهب بسيارتي إلى المواقف البعيدة،

وفي نفسي أنه في حين لم يوافق فلا بأس أن يأخذوا سيارتي إلى حيث شاؤوا،

أو أن يغرموني ما شاؤوا، فالوضع أكبر من أفكِّر ذلك الوقت في سيارتي، وماذا سيحصل لها؟

 

دخلت أحثُّ الخطى إلى حيث غرفة أمي وكانت غرفة مشتركة ذات ستة أسرِّة،

سريرها -رحمها الله- كان آخر الغرفة تحت النافذة على يمين الداخل،

دخلت، تجاوزت الأسرّة حتى وصلتُ إلى سرير أمي -رحمها الله- وهناك كانت المصيبة!

أمي -رحمها الله- ممددة على السرير دون حراك،

وقد نُزعت منها كل الأجهزة التي كانت عليها ليلة البارحة؛

فلا جهاز أكسجين، ولا مقياس ضغط، ولا مدخل إبر السُّكر، ولا غيرها.

ليس هناك إلا أمي -رحمها الله- دون أجهزة،

و(مارسيلا) واقفة عند رأس أمي، معها الممرضة الخاصة الجديدة (زينات) تبكيان،

فلما رأتني (مارسيلا) لم تزدْ على قولها: “ماما نورة خلاص”، واستمرت في البكاء!

عند ذلك لم أصدِّق الخبر المشاهد أمامي! أيْ أنّي لم أصدِّق عينيَّ !

فأهويت إلى جسد أمي الطاهر الممدَّد أمامي أتحسّس نَفَسها!

وضعتُ أذني على صدرها!

ألامس قلبها الذي طالما نبض بالحبّ! ما باله اليوم لا ينبض؟!

أقارب أذني أكثر وأكثر، حتى إذا استيقنت الخبر

ألهمني الله -بفضل منه تعالى- الاسترجاع

فاسترجعت بصوت لا يكاد يُبين” إنّا لله وإنّا إليه راجعون”،

ثم انكببتُ مرة أخرى على جسد أمّي أقبِّلها وأدعو !

قبَّلتُ جبينها، قبَّلتُ خديها، قبَّلتُ نحرها، قبَّلتُ يديها كلتيهما، قبَّلتُ قدميها،

وأنا في أثناء التقبيل أكرر دعوتين لا أدري لماذا لمْ يجرِ على لساني حينها غيرهما:

” اللهم اغفر لأميمتي” ، ” اللهم صبِّرْ أخيِّتي “!

كررتهما ما شاء الله أنْ أكررهما،

بقيت على هذه الحالة بين تقبيل الجسد الطاهر، وبين هاتين الدعوتين،

حتى إني لأسمع بكاء المرأة المريضة الأخرى في السرير المجاور لأمي -رحمها الله-

أسمعها من خلف الستارة ، تبكي وتدعو وتسترجع!

 

وما هي إلا دقائق إلا وإذا بشقيقتي الغالية المكلومة المصابة (لولو) تدخل علينا،

ولم تكشف نقابها عن وجهها، دخلت باكية بإيمان، مصابة باحتساب،

دخلت (لولو)، وتوجهت إلى حيث جسد أمي -رحمها الله-

فانكبتْ على أمي تقبلها وتبكي،

ومكثت مدة لم ترفع رأسها عن جسد أمي -رحمها الله-

ذرفتْ على جسدها ما شاء الله أن تذرف من دموع الفراق!

وأنا أنظر إلى أغلى امرأتين في حياتي أمي -رحمها الله- وشقيقتي الوحيدة -حفظها الله-

أنظر وأبكي، ولم أتدخل في تهدئة (لولو)،

تاركًا إياها لتأخذ راحتها في البكاء والدعاء، والتقبيل والتوديع!

 

ثم رفعتْ (لولو) رأسها عن جسد أمي -رحمها الله-

والتفتْ إليَّ فعانقتني وعانقتها

(ولم يكن من عادتنا في السلام على بعض طوال حياتنا إلا المصافحة)

تعانقنا، وقالت بصوت يتقطع من البكاء:

خلاص يا إبراهيم ؟! يعني ماتت أمي؟! فاسترجعنا وواصلنا الدعاء.

 

وعند ذلك أتت ممرضات المشفى فأخرجنَ أمي -رحمها الله- من الغرفة المشتركة

إلى غرفة خالية ليس فيها مريضات أخريات،

وهناك لَحِق بنا شقيقانا (علي وصالح) وتحلقنا جميعًا ( لولو، وعلي، وصالح، وأنا)

حول أمي -رحمها الله- جمعتنا بعد موتها، كما كانت تجمعنا طوال حياتها!

وهنا أذكر أن شقيقي الأصغر(صالح) قد اقترب غاية الاقتراب من جسد أمي -رحمها الله-

ووضع رأسه عند رأسها كأنه يُسارُّها بحديث!

يبكي بصمت! وكلنا يدعو ويبكي!

 

وقد أنزل الله -بفضله ومنته- العزاء والثبات والصبر علينا جميعًا،

حتى إنّ (لولو) وهي التي كنا نخشى عليها من هذه الساعة،

صارت أشدَّنا ثباتًا،

قامتْ في هذه الغرفة التي ليس فيها إلا جسد أمي -رحمها الله- وأولادها

(لولو، وعلي، وصالح، وإبراهيم) قامت (لولو) وتوضأتْ، ثما قالت لنا:

صلُّوا الضحى، وأردفتْ توجيهها بقولها: {واستعينوا بالصبر والصلاة} !

سبحانك يا الله! (لولو) تحثنا على الصبر!

تحثنا نحن الذين كنا نخاف عليها من الانهيار!

 

وفي هذه اللحظات أوكل أشقائي( لولو، وعلي وصالح) إليَّ إخبار والدي -حفظه الله-

بنبأ وفاة رفيقة عمره أمي -رحمها الله-

فاستجمعتُ نفسي، وابتعدتُ عن إخوتي في ممرٍّ جانبيٍّ؛

لأنفرد بنفسي في أثناء إخبار والدي -حفظه الله-

وعند ذلك حاولتُ إعطاء نفسي الفرصة لإنهاء موجة البكاء قبل المكالمة،

حتى لا يفجأني البكاء، فيمنعني من مواصلة المكالمة،

وبعد ذلك كلّه اتصلت على والدي -حفظه الله- وسلَّمتُ عليه، ثم تحاملتُ على نفسي وقلت:

“الحمد لله ! يبه أمّي تطلبك الحلّ ” !

لكنني لم أسمع من والدي -حفظه الله- جوابًا ! إلا قوله :”آمنتُ بالله”!

فقد سقط الجوال من يده، وانقطعت المكالمة!

ثم اتصل بي -حفظه الله- يدعو باكيا، معزِّيًا معزَّيًا!

وعند ذلك استأذناه في وقت الصلاة على أمي -رحمها الله-

هل يرغب أن يكون الظهر؟ أم العصر؟

فقال -حفظه الله- العصر أوسع حتى نخبر من نستطيع إخباره، ليحضر الصلاة!

    

ثم جاءت ممرضة لم نرها من قبل واستأذنتنا في تهيئة أمي -رحمها الله-

للانتقال إلى ثلاجة الموتى، وفعلا فقد ألبسوا أمي -رحمها الله- لباسًا خاصًا بثلاجة الموتى،

أحداث مرَّت سريعة، وكأننا في حلم متتابع المشاهد، سريع الإيقاع.

 

كنا قد تأخرنا قليلا في نقل أمي -رحمها الله- إلى الثلاجة؛

انتظارًا لشقيقي الأكبر (غانم) الذي تأخر في الوصول؛ لظروف خارجة عن يده،

إذْ حضر بعد دخولها الثلاجة!

 

أما في أثناء نقل أمي -رحمها الله- إلى الثلاجة فقد أحطنا بها

( لولو، وعلي، وصالح، وأنا) كنا نمشي مع السرير،

وندخل معها -رحمها الله- في المصعد، ونسير معها في الممرات،

وكنا قد أوصينا ابنَ (لولو) الأكبر(عبد الله المسند) -حفظه الله-

أن يمسك بيد أمه المكلومة أثناء تنقلها معنا في الطريق إلى الثلاجة،

حتى كانت (لولو) تسير معنا تتهادى بين يدي ابنها (عبد الله).

 

وعند وصولنا مقر الثلاجة في الأسفل

كان صِهر أمي -رحمها الله- الذي كانت تعده خامس أبنائها (علي المسند)

زوج شقيقتي (لولو) -حفظهما الله- قد وصل، كما كانت خالتي أخت أمي -رحمها الله-

(ليلى) قد وصلت بصحبة زوجها(أحمد الثنيان) -حفظهما الله-

 كما حضرت زوجتي(أم عبد الله)،

فكنا جميعًا في الانتظار الخاص بالثلاجة، وبعد إجراءات نظامية،

طلبوا منا أن يخرجوا بأمي -رحمها الله- في سيارة الإسعاف إلى جامع الراجحي،

ليتم الغسيل والصلاة على أمي رحمها الله.

 

خرجتُ من مدينة الملك فهد الطبية في حدود الساعة الحادية عشرة ضحى،

متوجهًا إلى البيت لأرى والدي -حفظه الله تعالى-

وعندما ركبتُ سيارتي لم يخطر في بالي أحدٌ أتصل به إلا صديق أمي -رحمها الله-

وصديق الأسرة كلها، صاحب الفضل علينا -بعد الله تعالى- صاحب الفضل والفضيلة

الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن التويجري -حفظه الله-

الذي سلمته عليه، ثم بصعوبة بالغة قلت له: الوالدة تطلبك الحل يا شيخ عبد الله،

وللمرة الوحيدة في حياتي يسألني الشيخ: من أنت؟

لم يسبق ولم يحصل فيما بعد أن الشيخ – حفظه الله – لا يعرف صوتي!

فقد كان منذ أن يسمع تسليمي عليه، يقول : الشيخ إبراهيم؟

لكنه هذه المرة لم يعرف صوت إبراهيم! مع حرصي على ألا يخالط صوتي بكاء!

غير أن البكاء غلب على النفس وخالط الصوت!

دعا الشيخ -حفظه الله- لأمي نورة -رحمها الله- وتأثر

ولأول مرة أسمع بكاء الشيخ عبد الله إذْ امتزجتْ عباراتُه بعبَرَاتِه!

 

توجهت إلى البيت وفي الطريق الدائري رجعتْ عليَّ سيارة بخطأ بيِّن من صاحب السيارة

فالتطمت بجانب سيارتي، وأثّرتْ فيها، فأشرتُ إليه أني سامحتُه،

ولم أزد على ذلك، ولم أنزل من سيارتي لأرى مدى الأثر الذي أصابها؛

فالأمرُ ليس خدشًا في جانب سيارة، الأمرُ فقدُ أمًّ!

 

وللحديث بقية إن شاء الله…